هل استلهمت التوراة قصَّة استقبال «إبراهيم» للملائكة من الأدب الأوغاريتي؟ – الرقيم KTU 1.23

سياسة النشر ⓘ

هذه المادة مرخَّصة برخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC-ND 4.0 — مشاركة غير تجارية مع النسْب إلى المصدر. يُمنع الاشتقاق والتعديل. عند إعادة النشر إلكترونياً، يجب نسخ السطر التالي كما هو:

عمر حكمت الخولي – دالِت: ترجمات ودراسات (dalet.org).

قراءة سياسة النشر كاملة

عمر حكمت الخولي

مقدَّمة لا بُدَّ منها:

يتناولُ الرقيم (KTU 1.23)، الذي يعدّ أحدَ أطولِ النصوصِ الأوغاريتيةِ غيرِ الملحمية، قصَّةَ ميلادِ الإلهينِ الأوغاريتيَّينِ “شحر=سَحَر” و”شالم=سالم” ولدَي إيل، كبير آلهة أوغاريت. يتميَّز النصّ بلغتهِ العاطفيةِ وصورهِ الشعريةِ التي قلَّما نجدُها في رُقُمٍ أوغاريتيةٍ أخرى، ولاسيَّما في السطورِ التي تتناول اللقاءَ الحميميَّ الذي جمعَ بين إيل وزوجهِ الإلهةِ أثيرة (أثرت). وسأقومُ لاحقاً بنشرِ ترجمتي لهذهِ السطورِ المدهشة (انظر: شفتانِ حلوتانِ كالرُّمَّان – دراسة للرقيم KTU 1.23)

كنتُ قد أنهيتُ لتوِّيَ قراءةَ سفرِ التكوينِ بلغتهِ العبريةِ الأصليةِ عندما فوجِئتُ بهذا النصِّ الأوغاريتيِّ الفريد، إذ تتضمَّنُ نهايةُ الرقيمِ المكسورِ قصَّةً فريدةً غيرَ مكتملةٍ، لكنها تسلِّطُ الضوءَ على التراثِ الكنعانيِّ الشماليِّ الذي ربَّما نهلتْ التوراةُ منه، فلم يسعني إلا أن أقارنَ بينَ السطورِ الأخيرةِ منهُ وبينَ مطلعِ الإصحاحِ الثامن عشر من سفرِ التكوينِ الذي يتناولُ قصَّةَ البشارةِ الإلهيةِ بالذرِّية لإبراهيمَ من زوجهِ سارة، إذ يزوره ثلاثةُ ملائكة في خيمته، فيسارعُ إلى قِراهم وتقديمِ الخبزِ والشرابِ لهم.

الترجمة

فمضى الإلهانِ الطيِّبانِ إلى الحقلِ
وشرعا يصيدانِ في البرِّيةِ حتَّى بلغا حارسَ الزرعِ.
فصاحا بهِ: «يا حارسَ الزرعِ، أيُّها الحارسُ! افتحْ [لنا] أيُّها الحارسُ!»
ففتحَ لهما فتحةً ودخلا.
[سألاه]: «[هل في بيتِكَ] خبزٌ فتهبنا ونأكلُ؟
هل في [بيتِكَ خمرٌ] فتهبنا ونشربُ؟»
فأجابهما حارسُ الزرع: «في البيتِ خبزٌ، ولديّ خمرٌ من […]»
ثمَّ أعدّ لهما جرَّةَ خمرِه […]
وصاحِبُهُ ملأَها خمراً […]

قراءتي للنص الأوغاريتي:

… عَدْ ئِلِمَ نِعَمِمَ تِتْلِكُنَ
شَدِ تِصَّدِنَ فَأْتَ مِدْبَرِ
وَنَجَشَ هُمُ نَغَرَ
مِدْرُعِ وَصَحَ هُمُ عِمَّ
نَغَرِ مِدْرُعِ يَ نَغَرُ
يَ نَغَرُ فْتَحْ وَفَتَحَ هُو
فَرْصَ بِعَدِهُمُ
وَعَرَبَ هُمُ هِمْ ئِثُ بِبِتِكَ
لَحْمُ وَتِنْ وَنِلَحِمُ
هِمْ ئِثُ بِبِتِكَ
يَنُ وَتِنْ وَنَشِتُ
وَعَنَ هُمُ نَغَرُ مِدْرُعِ
ئِثُ لَحَمُ بِبِتِي
ئِثُ يَنُ دِ عَرَبَ بِثَكْلِ[….]
مَغَّ هُو لَهُن لَجَّ يَنِهُ[….]
وَحَبِرُهُ مَلَأَ يَنَ[….]

النص بالأبجدية الأوغاريتية:

𐎓𐎄𐎟𐎛𐎍𐎎𐎟𐎐𐎓𐎎𐎎𐎟𐎚𐎚𐎍𐎋𐎐
𐎌𐎄𐎟𐎚𐎕𐎄𐎐𐎟𐎔𐎀𐎚𐎟𐎎𐎄𐎁𐎗𐎟𐎆𐎐𐎂𐎌𐎟𐎅𐎎𐎟𐎐𐎙𐎗
𐎎𐎄𐎗𐎓𐎟𐎆𐎕𐎈𐎟𐎅𐎎𐎟𐎓𐎎
𐎐𐎙𐎗𐎟𐎎𐎄𐎗𐎓𐎟𐎊𐎐𐎙𐎗
𐎊𐎐𐎙𐎗𐎟𐎔𐎚𐎈𐎟𐎆𐎔𐎚𐎈𐎟𐎅𐎆
𐎔𐎗𐎕𐎟𐎁𐎓𐎄𐎅𐎎
𐎆𐎓𐎗𐎁𐎟𐎅𐎎𐎟𐎅𐎎𐎟𐎛𐎘𐎟𐎁𐎁𐎚𐎋
𐎍𐎈𐎎𐎟𐎆𐎚𐎐𐎟𐎆𐎐𐎍𐎈𐎎𐎟
𐎅𐎎𐎟𐎛𐎘𐎟𐎁𐎁𐎚𐎋
𐎊𐎐𐎟𐎆𐎚𐎐𐎟𐎆𐎐𐎌𐎚
𐎆𐎓𐎐𐎟𐎅𐎎𐎟𐎐𐎙𐎗𐎟𐎎𐎄𐎗𐎓
𐎛𐎘𐎟𐎍𐎈𐎎𐎟𐎁𐎁𐎚𐎊
𐎛𐎘𐎟𐎊𐎐𐎟𐎄𐎟𐎓𐎗𐎁𐎟𐎁𐎘𐎋𐎍𐎟𐎟𐎟
𐎎𐎙𐎟𐎅𐎆𐎟𐎍𐎅𐎐𐎟𐎍𐎂𐎟𐎊𐎐𐎅𐎟𐎟𐎟
𐎆𐎈𐎁𐎗𐎅𐎟𐎎𐎍𐎀𐎟𐎊𐎐

مطلع الإصحاح الثامن عشر من سفر التكوين:

وَظَهَرَ لَهُ الرَّبّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرّ النَّهَارِ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ». فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ». ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلًا رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا.

نقاط التشابه:

  1. يتناول كلا النصَّين بشارةً إلهيةً بالإنجابِ، إذ يبدأُ النصّ الأوغاريتي بالبشارةِ التي تبلغُ الإلهَ إيل بولادةِ ولدينِ له، هما شحر وشالم. بينما يتناول النص العبريّ بشارةً إلهيةً لإبراهيمَ بولادةِ ابن له من امرأته سارة.
  2. في النصِّ الأوغاريتي، يقابل الإلهانِ بعد وصولهما إلى الصحراءِ المقدَّسةِ حارساً (في الأوغاريتية “نغر”). وفي النص العبري، استخدم المحرِّر الكلمة نفسها “نعر” لوصف الشخصية التي طلب منها إبراهيم تجهيز العجل، وقد تُرجمت إلى “غلام” في الترجمات العربية، على الرغم من أن غلام تقابل “عِلِم” في العبرية وليس “نعر”.
  3. تبدأ فقرات النصُّ الأوغاريتي بعبارة “إقرأ إليم نعميم” التي تعني “ادعُ/استقبل الإلهَين الطيِّبَين”، وهي تقابلُ في العربيةِ قِرى الضيف. ويستخدمُ النصّ العبريّ الكلمةَ نفسها، إذ يسارعُ إبراهيمُ “لقراتام”، أي لقِراهم، وتُرجمتْ إلى “ركض لاستقبالهم” في الترجماتِ العربية.
  4. تعدّ الصحراءُ مسرحَ كلتا القصَّتين، فقد ذُكرت صراحةً في النصّ الأوغاريتي، ويمكننا الاستدلالُ عليها في النصّ العبريّ بفضلِ مكوثِ إبراهيمَ في خيمة، وهي عادةً ما تُنصبُ في الصحراء.
  5. يصفُ كلا النصَّين زيارةً إلهيةً إلى شخصيةٍ بشرية. وعلى الرغمِ من الاختلافِ في عددِ الضيوف، فهما إلهان في النصّ الأوغاريتي وثلاثةُ ملائكةٍ في النصّ العبري، إلا أنَّ العددَ يستقيمُ في الآيةِ الأولى من الإصحاح التاسعِ عشر؛ فبعدَ مغادرةِ الملائكةِ الثلاثةِ لخيمةِ إبراهيم، يذكرُ النصّ وصول “ملاكين” فقط إلى سدوم، وتكرَّرُ قصَّة استقبالهما نفسها مع لوط هذه المرَّة.
  6. في كلا النصَّين، يستضيفُ البشري الزائرين الإلهيين في بيته، ويقدِّمُ لهما خبزاً وشراباً.
  7. تتناوبُ شخصيَّتانِ بشريَّتانِ على قرى الضيفينِ في القصَّةِ الأوغاريتية، هما الحارسُ (نغر) وصاحبُه، وفي النصّ العبريّ إبراهيم والغلام (نعر)، وزوجه سارة.

هل استلهمت التوراة قصَّة استقبال «إبراهيم» للملائكة من الأدب الأوغاريتي؟ – الرقيم KTU 1.23


مشاركة

سياسة النشر ⓘ

هذه المادة مرخَّصة برخصة المشاع الإبداعي CC BY-NC-ND 4.0 — مشاركة غير تجارية مع النسْب إلى المصدر. يُمنع الاشتقاق والتعديل. عند إعادة النشر إلكترونياً، يجب نسخ السطر التالي كما هو:

عمر حكمت الخولي – دالِت: ترجمات ودراسات (dalet.org).

قراءة سياسة النشر كاملة