تُعدُّ حكاية النبي إبراهيم والملك نمرود من الروايات البارزة في كتب المدراش، وهي تتناول الجدال بين النبي إبراهيم، الشخصية المحورية في التقليد الديني اليهودي، والملك العاصي نمرود الذي يأمر برمي النبي في النار في نهاية القصة. ترد هذه القصة في الرواية القرآنية في صورة مختصرة في سورة البقرة، بينما تقدم هذه الرواية المدراشية نسخة موسعة وتفصيلية على عادة الأدب المدراشي. فيما يلي ترجمتي لهذا النص كما ورد في كتاب «أوصَر هٓمدرٓشيم»:
(1) حكاية إبراهيم (2) بيت همدرش حدر ب (3) في الساعة التي وُلد فيها إبراهيم أبونا عليه السلام، ظهر نجمٌ ابتلع أربعة نجومٍ في جهات السماء الأربع. قال حكماءٌ لنمرود: «ابن سيُولَد لتارح في هذه الساعة، ستخرج منه أُمَّة ترث هذا العالم والعالم الآتي. إذا رغبتَ، نعطي لأبيه ملء بيته فضَّة وذهباً ونقتل [الطفل]». وعلى الفور، أرسل نمرود في طلب أبيه وقال له: «لك ابن وُلِدَ أمس، أعطني إيَّاه الآن لنقتله، وسأعطيك ملء بيتك فضَّة وذهباً». قال له تارح: «سأضرب لك مثلاً. ماذا يشبه هذا الكلام؟ [يشبه] حصاناً قالوا له: "نقطع رأسك ونعطيك بيتاً مليئاً بالشعير"، فقال لهم الحصان: "أيُّها الحمقى! إذا قطعتم رأسي، فمن سيأكل الشعير؟". وأنتم إذا قتلتم ابني، فمن سيرث الفضَّة والذهب؟». أجابه الملك: «من كلامك عرفتُ أنَّ ابناً [قد] وُلد لك»، قال له تارح: «وُلد ابن لي ومات». قال له [نمرود]: «عن الحيِّ أتكلَّم وليس عن الميت».
ما فعل تارح؟ خبَّأ ابنه في مغارة ثلاث سنين. أعدَّ له القدُّوس مبارك هو كوَّتين [في المغارة]، يخرج من الأولى زيت، ومن الثانية قمح. وعندما أصبح ابن ثلاث سنين، خرج [إبراهيم] من المغارة، وفكَّر في قلبه: «من برأ السماء والأرض و[برأ]ني؟»، ثم صلَّى طوال اليوم للشمس. وفي الغروب، غابت الشمس في المغرب وأشرق القمر من المشرق. حين رأى القمر والنجوم من حوله قال: «هذا مَن برأ السماء والأرض و[برأ]ني، وهذه النجوم خُدَّامه وعبيده». ثم أقام الليل يصلِّي للقمر. وفي الصباح، غاب القمر في المغرب وأشرقت الشمس من المشرق، فقال [إبراهيم]: «ليس في يد هؤلاء قوَّة، بل لهم ربٌّ إليه أصلِّي وأسجد». مضى إلى أبيه وقال له: «أبي، من برأ السماء والأرض و[برأ]ني؟». قال له أبوه: «إلهي برأ السماء والأرض وكلَّ شيء». قال له [إبراهيم]: «أرني إلهك [لأرى] إن فيه قوَّة ليبرأ كلَّ شيء». على الفور، أحضر [تارح] عبادته الرديئة وأراه إلهه. رجع إبراهيم إلى أمِّه، وقال لها: «اصنعي لي أطعمةً شهيةً وطيِّبةً لأقدِّمها لإله أبي، لعلَّه يقبل مني قرباني». وعلى الفور صنعتْ له أمُّه أطعمةً شهيةً وطيِّبةً وقدَّمها لآلهة أبيه، ووضعها أمام أكبرهم، فلم [يصدر منه] صوتٌ ولا جواب. رجع إلى أمِّه وقال لها: «اصنعي لي أطعمةً شهيَّةً وطيِّبةً [أكثر] من الأولى»، فصنعتْها له وقدَّمها لأصنام أبيه، فلم [يصدر منها] صوتٌ ولا جواب. وفي الحال حلَّت عليه "السكينة" فقرأ عليهم: «فَمٌ لهم ولا يتكلَّمون، عينانِ لهم ولا يرون». وفي الحال وقعتْ عليهم نارٌ وأحرقتْهم، فأخرج [إبراهيم] كبيرهم إلى الخارج وجعل النار في يده.
حين رجع أبوه إلى بيته ووجد آلهته محترقة، قال لإبراهيم: «بنيَّ، لماذا حرقتَ آلهتي؟». قال له: «لم أحرقهم، بل غضب عليهم كبيرهم وأحرقهم». قال له [تارح]: «بنيَّ، أَأحمقُ [أنتَ]؟ وهل فيهم قوَّةٌ أو روحُ حياةٍ تخوِّلهم القيام بكلِّ هذا؟ ألم أصنعهم أنا من الخشب؟». فقال له [إبراهيم]: «هل تسمع أذناكَ ما تقول شفتاكَ؟ إذا لم تكن فيهم قوَّةٌ، لِمَ قلتَ لي: إلهي برأ السماء والأرض؟». فما فعل تارح؟ مضى إلى نمرود وقال له: «ابني أحرق إلهي وإلهكَ بالنار». أرسل نمرود في طلب إبراهيم، وقال له: «لماذا فعلتَ هكذا؟». أجابه [إبراهيم]: «لستُ أنا، بل كبير [الآلهة]». قال له نمرود: «وهل فيهم روحُ حياةٍ تخوِّلهم القيام بكلِّ هذا؟». قال [إبراهيم]: «فلتسمعْ أذناكَ ما تقوله بفيكَ؛ إذا لم تكن فيه قوَّة، فلِمَ تحيدون عن بارئ السماء والأرض وتسجدون لخشب؟». قال له: «أنا برأتُ السماء والأرض بقوَّتي». قال له إبراهيم: «أنت قادرٌ على الخلق! حين خرجت من المغارة رأيتُ الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، فاجعلها تشرق من المغرب وتغرب في المشرق وسأسجد لكَ، وإن لم [تفعل]، فإنَّ الذي أمدَّني بالقوَّة لأحرق الأصنام هو الذي سيمدُّني بالقوَّة لأقتلكَ». قال نمرود لحكمائه: «ما يكون حُكم هذا؟». قالوا له: «هذا الذي قالوا عنه ستخرج منه أُمَّةٌ ترث هذا العالم والعالم الآتي. والآن نحكم عليه بأن يُصنع به ما صَنَع [بالآلهة]»، وفي الحال طرحوه في النار. في تلك الساعة امتلأ القدُّوس مباركٌ هو بالرحمة عليه وأنقذه، إذ قيل: «أنا الربُّ الذي أخرجك من أور الكلدانييِّن». (4) تمَّتْ حكاية إبراهيم.
* تارح (في العبرية תרח) اسم أبي إبراهيم الخليل في التوراة والأدبيات اليهودية، وهو “آزر” في القرآن.
** العبادة الرديئة: يُطلق على العبادات الوثنية في التقاليد اليهودية اسم “عبودَهْ زَرَهْ” (في العبرية: עבודה זרה) والتي تعني حرفياً: العبادة الغريبة، لكن يُقصد منها العبادات الرديئة => الوثنية.
*** يتضح من الآية التوراتية الأخيرة أن حكاية إنقاذ إبراهيم من الاحتراق بالنار جاءت تفسيراً لهذه الآية، إذ أن كلمة “أور” تعني في العبرية: “النار”، وبذلك يمكن ترجمة الآية على النحو التالي: “أنا الربُّ الذي أنقذكَ من نار الكلدانيين” بدلاً من الترجمة المعتمدة في ترجمات الكتاب المقدس: “أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين” (تك ١٥: ٧).

