لطالما احتلَّت قصصُ رحلاتِ بني الإنسانِ إلى السماءِ مكانةً بارزةً في المخيَّلةِ البشرية، إذ نجدُ انعكاساتٍ لها في عددٍ من الثقافاتِ والدياناتِ، بما في ذلك في اليهوديةِ والإسلام. وعلى غرارِ قصَّة معراجِ النبيِّ محمَّد إلى السماءِ التي نجدها في كتبِ الحديثِ والسيرةِ لا في القرآن، لم تُدوَّنْ قصَّةُ معراجِ موسى بدورها في التوراة، لكننا نجدُ تفاصيلَها فيما تُسمِّيه اليهوديةُ «التوراة الشفهية»،1 أي في المشنَه والتلمود اللذينِ يتضمَّنانِ الكثيرَ من القصص التي دُوِّنت لملء الفراغات في الروايات التوراتية. ففي سفرِ الخروجِ التوراتي، وبعدَ الضرباتِ الإلهيةِ التي حلَّتْ بمصرَ عقاباً لملكِها العنيدِ الذي رفضَ إطلاقَ سراحِ بني إسرائيل، يتمكَّن العبيدُ من الفرارِ أخيراً إلى صحراءِ سيناءَ بقيادةِ موسى الذي صعدَ إلى جبلِ سيناءَ ليتلقَّى الشريعةَ على مشهدٍ من المؤمنين: «وفي اليومِ السابعِ دُعيَ موسى من وسطِ السحابِ… ودخلَ موسى في وسطِ السحاب» (الخروج ٢٤: ١٦-١٨). ثُمّ تتابعُ التوراةُ إيرادَ الأوامرِ والوصايا الإلهيةِ التي تلقَّاها موسى بتفصيلٍ شديد، انتهاءً بنزولِ موسى ليجدَ شعبَه وقد ضلّ وعبدَ العجل، دون أن تُعرِّج على ما جرى له بعدَ “دخوله في وسط السحاب”. وهنا يأتي دورُ التلمودِ ليقدِّمَ لنا الإضاءةَ الأولى على قصَّة معراجِ موسى:2
في ساعةِ معراجِ موسى إلى الأعالي، قالَ الملائكةُ الخُدَّامُ3 للقدُّوسِ مبارَكٌ هو: «ربَّنا ربّ العالمين، ما يفعلُ ابنُ امرأةٍ بيننا؟» قالَ لهم [الله]: «جاءَ ليقبلَ التوراة». فقالوا له: «إنّ لكَ حمداً مكنوزاً4 كُنزَ من أجلكَ قبلَ تسعمئةٍ وأربعةٍ وسبعينَ جيلاً من خلقِ العالم، وأنتَ تريدُ أن تعطيها للحمٍ ودم؟» قال القدُّوسُ مبارَكٌ هو لموسى: «أجِبْهم [عن سؤالهم]». فقال [موسى]: «ربَّنا ربّ العالمين، إني لأخشى أن يُحرقوني بلهبِ أفواههم». فقالَ له [الله]: «أمسِكْ كرسيَّ مجدي وأجِبْهم». قالَ [موسى]: «ربَّنا ربّ العالمين، التوراةُ التي ستعطيني إيَّاها، ما كُتب فيها؟» [أجابَ الله]: «أنا الربُّ إلهكَ الذي أخرجكَ من أرضِ مصر».5 قال لهم [موسى]: «أَلمصرَ نزلتم؟ هل استُعبِدْتم لفرعون؟ إذاً لمَ ستكونُ التوراةُ لكم؟» مرَّةً ثانيةً [سألَ موسى الله]: «ما كُتب فيها؟» [أجاب الله]: «لا يَكُنْ لكَ آلهةٌ أخرى».6 [قال موسى]: «هل تسكنونَ بينَ الأممِ التي تعبدُ الأوثان؟» مرَّةً ثانيةً [سأل موسى الله]: «ما كُتب فيها؟» [أجاب الله]: «اذكُرْ يومَ السبتِ لتقدِّسَه».7 [قال موسى للملائكة]: «أنتم لا تعملونَ أبداً، أفتحتاجونَ سُباتاً؟» مرَّةً ثانيةً [سأل موسى الله]: «ما كُتب فيها؟» [أجاب الله]: «لا تنطقْ [باسم الربِّ إلهِكَ باطلاً]».8 [فقال موسى]: «هل بينكم أخذٌ وعطاء؟» مرَّةً أخرى [سأل موسى الله]: «ما كُتب فيها؟» [أجاب الله]: «أكرِمْ أباكَ وأمَّكَ».9 [قال موسى]: «ألكم أبٌ وأم؟» مرَّةً أخرى [سأل موسى الله]: «ما كُتب فيها؟» [أجاب الله]: «لا تقتلْ، لا تزنِ، لا تسرقْ».10 [قال موسى للملائكة]: «أبينكم حسدٌ؟ أبينكم عملُ شَرّ؟» فحمدَ [الملائكةُ] اللهَ على الفور. وعلى الفور أصبحَ كلٌّ من الملائكةِ يحبُّ موسى، وقدَّموا له هدايا، لهذا كُتب [في التوراة]: «صَعِدْتَ إِلَى الْعَلاَءِ. سَبَيْتَ سَبْيًا. قَبِلْتَ عَطَايَا بَيْنَ النَّاس».11
على الرغم من أنَّ التلمودَ يُقدِّم لنا النسخةَ الأولى من هذه القصَّة، إلا أنه يتركُ أمرَ تفصيلِها وتعدادِ عجائبِها لكتبِ المدراش التي نجدُ فيها العديدَ من النسخِ المتنوِّعةِ لقصَّةِ المعراج، أبرزها ما جاءَ على لسانِ موسى نفسِه حينَ حانتْ ساعةُ وفاتِه في قصَّةٍ يُفصِّلُها لنا مدراش تنحوما، وسأقدِّم ترجمتي لها في وقتٍ لاحق. أمَّا القصَّةُ الأكثر اكتمالاً، فنجدُها في مدراش “فسيقتا ربَّتي”،12 وفيها نجدُ موسى يتنقَّلُ من سماءٍ إلى أخرى ويقابلُ عدداً من الملائكةِ الأعلين. وفيما يلي ترجمتي لفقراتِ المدراشِ التي تتناولُ معراجَ موسى:
في ساعةِ معراجِ موسى إلى الأعالي، في تلكَ الساعةِ جاءَ العنانُ13 وربضَ أمامه، ولم يكنْ موسى يعرفُ أيركبُ عليه أمْ يأخذُ به بيدِه. وعلى الفورِ فُتحَ العنانُ فدخلَ [موسى] إلى داخلِه، لذلكَ كُتبَ [في التوراة]: "وَدَخَلَ مُوسَى فِي وَسَطِ السَّحَابِ...". ثُمّ رفعَه العنانُ ومضى في السماءِ، فقابلَه الملاكُ قموئيل14 الذي كانَ قائداً لاثني عشرَ ألفٍ من ملائكةِ البلاءِ15 الذين يجلسونَ على بابِ السماء. جعرَ [قموئيل] بموسى وقال: «ما لكَ في أقداسِ العليّ؟ قدْ جئتَ من مقامِ النطافِ وتسيرُ في مقامِ الطهارة؟ ابنُ امرأةٍ يسيرُ في مقام النار؟!» قالَ له موسى بنُ عمران: «لقدْ جئتُ لأقبلَ التوراةَ لإسرائيل». لكن [قموئيل] لم يُفسِحْ له، فضربَه موسى ضربةً واحدةً وأهلكَه من العالم. وكان موسى يسيرُ في السماءِ كرَجُلِ يسيرُ على الأرض، حتَّى وصلَ إلى مقامِ الملاكِ هَدَرْنيئيل16 الذي كانَ أطولَ من أقرانِه، [كان طولُه] ستَّمئة ألفِ فرسخٍ، ومع كلّ كلمةٍ تخرج من فيه17 تخرج برقتان من نار. رأى الملاك موسى فقال له: «ما لكَ في أقداسِ العليّ؟» عندما سمعَ [موسى] صوتَه ذُهِلَ وذرفتْ عيناه الدموع، وأرادَ أن يقفزَ من فوقِ العنان. في تلكَ الساعةِ تجلَّتْ رحمةُ القدُّوسِ مبارَكٌ هو، وسُمِعَ صوتٌ يقولُ للملاكِ هدرنيئيل: «اعرفوا أنكم طوالَ أيَّامكم تُعادون الناسَ، فعندما أردتُ خلقَ آدمَ الأوَّل وقفتُم ضدَّه أمامي وقلتُم لي: "مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟"18 ولم تتركوني حتى حرقتُ منكم الكثيرَ بالنار، والآنَ تقفونَ أمامَ [موسى] ولا تفسحونَ له ليأخذَ التوراةَ لإسرائيل، ولولا أن قبلَ بنو إسرائيلَ التوراةَ لما كانتْ ديرةٌ لا لي ولا لكم». عندما سمع هدرنيئيل قوله، قال له: «جليّ ومعروفٌ عندكَ أنني لم أعرفْ أنّ [موسى قد] جاءَ بمشيئتكَ. أمَّا الآنَ، فسأجعلُ [من نفسي] رسولاً وأسيرُ أمامَه كتلميذٍ يسيرُ أمامَ معلِّمِه». ومضى سائراً أمامَه حتَّى وصلَ إلى نار سندلفون،19 فقال هدرنيئيل لموسى: «هذه الحدودُ التي سُمحَ لي بالوصول إليها، أمَّا من هنا وإلى الأمامِ فليسَ لي أن أتقدَّمَ كيلا أحترقَ بنارِ سندلفون». عندئذٍ رأى موسى سندلفون، فذُهلَ وذرفتْ عيناه الدموع، وأرادَ أن يقفزَ من فوقِ العنان، وسألَ رحمةَ القدُّوسِ مبارَكٌ هو. فأجابه [الله]: «تعالَ لأريكَ كَمْ هُمْ حبيبونَ بنو إسرائيلَ عندَ القدُّوسِ مبارَكٌ هو». في تلكَ الساعةِ نزلَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو بنفسِه من كرسيِّه، ووقفَ أمامَ سندلفونَ حتى عبرَ [موسى]. في تلكَ الساعةِ قالَ اللهُ [في التوراة]: "فَاجْتَازَ الرَّبّ قُدَّامَهُ".20 قالوا عن سندلفونَ إنه أطولُ من أقرانه، طولُه خمسمئة سنة، ويستخدمُ مركبة... وعندما عبرَ موسى رآه ريجيون،21 نهرُ النارِ الذي تحرقُ حجارته الملائكةَ ويصطلي بها بنو آدم. فأجازَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو موسى عنه. ثُمّ رآه جليصور22 الذي كُتب [في التوراة] عنه: "مِنْ فَمِ الْعَلِيِّ أَلاَ تَخْرُجُ الشُّرُورُ وَالْخَيْرُ؟"23 وهو الذي يشرحُ معنى الخلقِ، وجناحاه مفرودان ليصدَّا لهبَ الحياة، ولولاهما لاحترقَ الملائكةُ الخُدَّامُ من لهبِ الحياة... فأخرجَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو [موسى] من هناك. ثُمّ رأتْه كتيبةُ ملائكةِ البلاء الذين يُحيطون بكرسيّ المجد، وهم جبَّارونَ وعظيمونَ جدَّاً. وعندما وصل موسى إليهم، طلبوا حرقَه بلهبِ أفواههم. فما فعلَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو؟ نشرَ على [موسى] بهاءَ مجدِه وأوقفَه أمامَ كرسيِّه، وقالَ له: «يا موسى، أجِبْ الملائكةَ الخُدَّامَ وتكلَّمْ معهم...» فقال موسى: «ربَّنا ربّ العالمين، إني لأخشى أن يُحرقوني بلهبِ أفواههم». فقال له [الله]: «أمسِكْ كرسيَّ مجدي وأجِبْهم». ومن فورِه أمسكَ بالكرسيّ بقوَّةٍ وأجابَ الملائكةَ الخُدَّام...24 [وبعد أن أجابهم] انصاعَ الملائكةُ وقالوا: «أَيُّهَا الرَّبّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلّ الأَرْضِ!»25 لحظةَ معراجِ موسى إلى الأعالي، فتحَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو سبعَ سماوات، وأراه بيتَ المقدسِ الذي في العلاء،26 وأراه الأصباغَ الأربعةَ التي صُنع منها المسكن...27 قال له [موسى]: «ربَّنا ربّ العالمين، إني لا أعرفُ هيئةَ الأصباغ الأربعة». فأجابَه [الله]: «انظرْ إلى يمينِكَ». نظرَ فرأى كتيبةَ ملائكةٍ لابسينَ لباساً بلونِ اليَم. فقالَ [الله]: «هذا الإسمنجوني. والآنَ انظرْ إلى شمالِكَ». نظرَ [موسى] فرأى أناساً لابسينَ لباساً أحمرَ. فقالَ [الله]: «هذا الأرجواني». رجعَ [موسى] إلى الوراء ورأى كتيبةً تلبسُ لباساً ليسَ أحمرَ ولا بالأخضر. قالَ [الله]: «هذا القُرمزي». نظرَ [موسى] إلى أمامِه، فرأى كتائبَ تلبسُ لباساً أبيضَ. قالَ [الله]: «هذا البوصُ المجدول». عندئذٍ فتحَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو سبعَ سماواتٍ وتجلَّى أمامَ جميعِ العيونِ بجمالِه ومجدِه وصورتِه وتاجِه، وبكرسيّ مجدِه، آنذاكَ سمعوا [قوله]: «أنا الربّ إلهُكَ».28 فخرجتْ أرواحُ الصدِّيقينَ على الفور، لكنَّ [الله] أحياهم من جديد... وما فعلَ القدُّوسُ مبارَكٌ هو؟ أنزلَ عليهم مئةً وعشرينَ ألفَ ألفِ ملاكٍ من الملائكةِ الخُدَّام، وكلّ واحدٍ من إسرائيلَ أمسكَه ملاكان، أحدُهما أراحَ يدَه على قلبِه، والثاني أمسكَ بعنقِه وأدارَ وجهَه ليرى القدُّوسَ مبارَكٌ هو. ولمَّا تجلَّى لهم [الله] وجهاً لوجه، قال لهم: «انظروا أني تجلَّيتُ لكم بمجدي وجلالي، فإذا ما جاءَ جيلٌ آخرُ وقالَ لكم تعالوا نعبدْ آلهةً أخرى، تقولونَ: لنا إلهٌ نعبدُ إيَّاه، وإذا لم نعبدْ إيَّاه سيُورِدُنا جهنَّمَ، وسيأتي زمانٌ يملكُ فيه القدُّوسُ مبارَكٌ هو ملكوتَه على إسرائيل».
- حرفياً: التوراة التي على الفم (תורה שבעל פה). ↩︎
- النص التالي من ترجمتي للفقرات ٨٨ب و٨٩أ من مشنه السبت في التلمود البابلي. ↩︎
- الملائكة الخُدَّام: في العبرية ملائكة الشارِت (מלאכי השרת)، وهم الملائكة الموكلون بخدمة الله وتنفيذ مهماته. ↩︎
- الحمد المكنوز: من ألقاب التوراة في الأدبيات اليهودية. ↩︎
- الخروج ٢٠: ٢. ↩︎
- الخروج ٢٠: ٣. ↩︎
- الخروج ٢٠: ٨. ↩︎
- الخروج ٢٠: ٧. ↩︎
- الخروج ٢٠: ١٢. ↩︎
- الخروج ٢٠: ١٣. ↩︎
- المزامير ٦٨: ١٨. ↩︎
- النص التالي من ترجمتي لفقرات من الفصل ٢٠: ١ من مدراش فسيقتا ربَّتي (مدراش الفصول العظيمة)، ويقدر تاريخ تدوينه بين عامي ٦٥٠ و٩٠٠م. ↩︎
- العنان: السحاب. وقد وردت هكذا في النص العبري. ↩︎
- من الملائكة المذكورين في المدراش، يعني اسمه: قام الله. ↩︎
- ملائكة البلاء: ملائكة مكلَّفون بمحاولة إيقاع بني الإنسان في الخطيئة. ↩︎
- من الملائكة المذكورين في المدراش، يعني اسمه: طوَّقني الله. ↩︎
- من فمه. ↩︎
- المزامير ٨: ٤. ↩︎
- اسم رئيس الملائكة في الأدبيات اليهودية، ولاسيما في التقاليد الصوفية الحاخامية ونصوص المدراش والقبَّالَه. الاسم يوناني الأصل (في اليونانية Σανδαλφών)، ويعني شيئاً من قبيل “الأخ المشارك”. ↩︎
- الخروج ٣٤: ٦. ↩︎
- اسم نهر من نار في السماء. ↩︎
- من الملائكة المذكورين في المدراش، يعني اسمه شيئاً من قبيل “جلاء الصيرورة” أو “تجلّي الخلق”. ↩︎
- مراثي إرميا ٣: ٣٨. ↩︎
- يطرح موسى الأسئلة نفسها المذكورة في القصة الواردة في مشنه السبت في التلمود البابلي، وقد تقدمت ترجمتها. ↩︎
- المزامير ٨: ١. ↩︎
- يؤمن اليهود، مثل المسلمين، أن في السماء نسخة “عُلوية” من البيت المقدَّس، يسمِّيه المسلمون “البيت المعمور”. جاء في الحديث: «البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها» (الطبري). ↩︎
- المسكن: خيمة الاجتماع. يعلِّم اللهُ نبيَّه موسى كيفية صنع الخيمة، وقد وردت أوصافها في الآية “وأما المسكن فتصنعه من عشر شقق بوص مبروم وأسمانجوني وأرجوان وقرمز” (الخروج ٢٦: ١) ↩︎
- الخروج ٢٠: ٢. ↩︎

