مقدَّمة
في نهاية عام 2022، نشر البريطاني أندرو جورج، الأستاذ الفخري للأدب البابلي في كُلِّية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن؛ والألماني مانفرد كريبرنيك، الأستاذ ورئيس قسم دراسات الشرق الأدنى القديم في جامعة فريرديش شيلر يِينا في ألمانيا، نتائج دراستهما الأوَّلية لنقشين مُدوَّنين بالمسمارية الأكَّادية. النقش الأوَّل (CUNES 50-11-020) يعود إلى مجموعة جوناثان وجانيت روزن للنقوش المسمارية في الولايات المتَّحدة، وقد عُرض عام 2016 ضمن مجموعة مفتوحة للدراسة في جامعة كورنيل. أمَّا النقش الثاني (بلا رقم مرجعي)، فقد اكتشفه جورج ضمن مجموعة خاصَّة في لندن وحظي بفرصة دراسته. كما أُتيحت فرصة تصويره للدكتور ديفيد أوين، القيِّم على مجموعة روزن، إلا أنه لم يعد متاحاً للعرض أو الدراسة حالياً. لا نعرف مكان وزمان اكتشاف هذين النقشين على وجه الدقَّة، ويُرجَّح أنهما هُرِّبا من العراق في ثمانينيَّات القرن الماضي، ربَّما في أثناء الحرب العراقية-الإيرانية.
يتضمَّن كلا النقشين عمودين، دُوِّن الأيمن منهما باللغة الأكَّادية بلهجتها البابلية القديمة، أمَّا الأيسر فمُدوَّنٌ بلغةٍ جديدةٍ لم تكن معروفةً لنا من قبل، خَلُصَ جورج وكريبرنيك إلى أنها اللغة الأمورية المفقودة، ما يجعل من هذين اللوحين أوَّل النصوص الأمورية الكاملة التي اكتُشفت حتَّى الآن.
أُتيحت لي فرصة قراءة دراسة جورج وكريبرنيك والاطِّلاع على صور دقيقة للنقشين بعد نحو عامين من نشر الدراسة التي ما زالت تمثِّل المرجع الوحيد لهما، لذا حملتني الضرورة على الاعتماد بشكل رئيس على دراستهما، ولاسيَّما على قراءتهما للمسمارية الأكَّادية، وإن اختلفت معهما في قراءة وترجمة بعض الكلمات والعبارات. وأتوجَّه بالشكر إلى المطابع الجامعية الفرنسية (P.U.F.) على توفير نسخة إلكترونية من الدراسة تتضمَّن نقحرة بالأبجدية اللاتينية لأعمدة النقشين، وهي منشورة في مجلَّة علم الآشوريات وعلم الآثار الشرقية (Revue d’assyriologie et d’archéologie orientale) الصادرة عن المطابع الجامعية الفرنسية في كانون الأول 2022. كما أُعرب عن خالص امتناني للدكتور مانفرد كريبرنيك لسماحه لي بالاقتباس من الدراسة الأصلية التي شارك في تأليفها.
فيما يلي، أُقدِّم للقارئ العربي أوَّل دراسةٍ عربيةٍ تتناول نقشاً مدوَّناً باللغة الأمورية، وأوَّل ترجمةٍ للنقش الأوَّل إلى اللغة العربية. سأشرع أولاً في تقديم وصف النقشين، ثمَّ سأتناول نظام وأسلوب الكتابة، ثمَّ لغة النقشين، وأخيراً محتواهما. بعد ذلك سأقدم قراءتي بالأبجدية العربية للنقش الأموري الأوَّل، تليها الترجمة العربية له، ثمَّ التحليل اللغوي الذي يتناول كلماته وقواعده وخصائصه اللغوية، تليه بعض الملاحظات العامَّة لتوضيح ما غَمُض من نقاط أو أفكار، وأخيراً الخاتمة التي أتطرَّق فيها إلى الادِّعاءات التي تزعم أنَّ هذه اللغة أو تلك هي من “نسل” اللغة الأمورية.

CUNES 50-11-020
وصف النقشين
دُوِّن كلا النقشين – اللذين يبدوان من إنتاج كاتبٍ واحدٍ – على لوحٍ طينيٍّ يُشكِّل مستطيلاً أفقياً، وقد يكون هذا التصميم أوَّل الإشارات إلى زمن تدوينهما، إذ ظهر هذا النوع من الألواح منذ مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، وأصبح شائعاً في العصر البابلي الوسيط (1400-1100 ق.م).[1] يتألَّف النقش الأوَّل (الشكلان الأوَّل والثاني) من 32 سطراً دُوِّنا على وجهيه في العمود الأموري منه، إلا أنَّ عدد السطور يقلُّ في العمود المقابل نظراً إلى أنَّ بعض السطور الأمورية قد تُركت دون ترجمةٍ أكَّادية. أمَّا النقش الثاني (الشكل 3)، فيتألَّف من 25 سطراً دُوِّنا على وجهيه في العمود الأموري، ومثلها في العمود الأكَّادي.
يورد النقشان المعجميان عدداً من الكلمات والعبارات الأمورية في العمود الأيسر، مع ما يقابلها من كلمات وعبارات أكَّادية في العمود المقابل. ونظراً إلى نوعية العبارات وتنوُّعها واختلاف سياقاتها، يبدو أنَّ الغرض من تدوين هذين اللوحين كان تسهيل حفظ وتعلُّم الأكَّادية على كاتبهما الأموري نفسه، أو على أحدٍ ما كُلِّف الكاتب بتعليمه، وذلك بغرض العمل في خدمة القصر الملكي، كما نتبيَّن من القسم الأخير من النقش الثاني.

CUNES 50-11-020
نظام وأسلوب الكتابة
كان الخطُّ – وأعني أساليب رسم الرموز المقطعية الأكَّادية – واحداً في كلا النقشين، حاله في ذلك حال التصميم العام لهما، الأمر الذي يشير إلى احتمالية أن يكونا من إنتاج كاتبٍ واحدٍ كما تقدَّم. دُوِّن كلا العمودين باستخدام نظام الكتابة المسماري المقطعي الأكَّادي، إلا أنَّ العمود الأموري (الأيسر) تميَّز بأسلوب كتابة بعض المقاطع الصوتية، ولاسيَّما تلك التي تُمثِّل الأصوات الحلقية (ع غ ح ء)، وذلك نظراً إلى أنَّ الأكَّادية قد فقدت هذه الأصوات، ولم يتضمَّن نظامها الكتابي رموزاً تُعبِّر عنها. وقد اختار الكاتب الأموري تكييف نظام الكتابة الأكَّادي من خلال الاستعاضة عن هذه الأصوات برموز أكَّادية تُمثِّل مقاطع أخرى، أبرزها استخدام الخاء للتعويض عن الحروف التي سبق ذكرها. كما تفتقر الأكَّادية إلى رمز لحرف الثاء السامي، إذ تحوَّر فيها إلى سين أو شين على غرار العبرية والآرامية وغيرهما، ما دفع الكاتب الأموري إلى استخدامهما أيضاً للتعويض عن الثاء.
تجدر الإشارة إلى أنَّ بعض الكلمات الأمورية قد دُوِّنت باستخدام رموز سومرية معروفة، مثل كلمة “إيل = إله” التي وردت في بعض المواضع باستخدام الرمز السومري (DIĜIR/ Dingir = 𒀭) الذي يُشير إلى مفهوم الألوهة عموماً، وشاع استخدامه قبل الأسماء في الأكَّادية وغيرها للدلالة على أنَّ الاسم يُمثِّل إلهاً، كما كان يرد كمقطعٍ مستقلٍّ للدلالة على اسم الإله الكنعاني “إيل”، ولكن ليس في هذين النقشين.

لغة النقشين
على الرغم من قصرهما النسبي وعدد كلماتهما القليل، يُسلِّط هذان النقشان الضوء على اللغة الأمورية التي كانت مجهولة من قبل، إذ يتضمَّنان بعض الظواهر اللغوية التي تُبيِّن لنا طبيعة قواعدها وكيفية نطقها وتركيب الجمل فيها، فضلاً عن الكلمات المشتركة بينها وبين اللغات السامية الشقيقة، أو الكلمات التي ميَّزت الأمورية وحدها. وقد يكون تحريك أواخر الكلمات بحسب إعرابها أحد أبرز هذه الظواهر، إذ نجده في جميع الكلمات المدوَّنة في النقشين. فعلى غرار العربية والأكَّادية والأوغاريتية، كان الأموري ينطق الكلمة المرفوعة بضمِّ آخرها، والمنصوبة بفتحه، والمجرورة بكسره، وذلك وفقاً للقواعد نفسها التي تسود اللغات التي ذكرت، كرفع الفاعل ونصب المفعول وما شابه. كما يُلاحَظ في النقشين أنَّ الأمورية ربَّما حافظت على قواعد المثنَّى في الأفعال، إذ يمكن أن تكون الألف في نهاية الفعلين “سُوطَا” و”شِجَا” هي ألف التثنية التي تتَّصل بالفعل المثنَّى – وهي قواعد فُقدت في لغات أخرى مثل العبرية والآرامية (باستثناء بعض الكلمات). كما يبدو أنَّ الأمورية قد حافظت على معظم الحروف الأصلية التي فُقدت في الكثير من اللغات السامية – باستثناء العربية والأوغاريتية – ولاسيَّما الحروف الحلقية، أي (ع غ ح خ ء ق)، ما دفع الكاتب إلى استخدام رموز مقطعية تُمثِّل حروفاً أخرى في الأكَّادية لتدوين الحروف التي فُقدت منها. ثمَّة ظواهر أخرى – خصوصاً في النقش الثاني – لا يمكننا التثبُّت منها نظراً إلى ورودها مرَّةً واحدة أو لاحتمالية وجود تفسير آخر لها، وهي ظواهر سأتناولها في دراستي للنقش الثاني لاحقاً.
بالعودة إلى حركات أواخر الكلمات، يظهر في النقشين نوعان من الحركات نجدهما في كلمات مثل “يَرَخُمْ” و”نَعْلُ”؛ إذ تتضمَّن الكلمة الأولى تمييماً في آخرها (مثل التنوين في العربية)، وهو – كما في العربية – يُلحق بالأسماء في حالة التنكير. أمَّا في الكلمة الثانية، فنجد الحركة مطلقةً دون تمييمٍ أو سواه، ما يشير باعتقادي إلى أنها تكون مُعرَّفةً في هذه الحالة. كما يتَّضح في النقشين أنَّ الأمورية كانت تفتقر إلى أداة خاصَّة للتعريف (مثل الـ في العربية وה- في العبرية)، حالها في ذلك حال الأوغاريتية.
محتوى النقشين
يبدأ النقش الأوَّل بتعداد 13 اسماً أمورياً لعشرة من الآلهة وثلاث مجموعات نجمية مع مقابلاتها الأكَّادية، ويبدو بعضٌ من هذه الأسماء مألوفاً نظراً إلى التطابق بينها وبين أسماء الآلهة التي وردت في النقوش الأوغاريتية، وأبرزها “دجن” الذي يبدأ النصُّ باسمه، وكذلك “أثيرة” و”عنات”. ويدعونا الترتيب الذي دُوِّنت فيه الأسماء إلى التفكير في الدور الذي لعبته هذه الآلهة في الحياة الدينية للأموريين، وفي معتقدات غيرهم من سكَّان الممالك السامية، ولاسَّيما فيما يتعلَّق بدور الإله “دجن” في المعتقدات الأوغاريتية؛ فوروده على رأس قائمة الآلهة الأمورية يشير إلى دور أكبر ربَّما لعبه هذا الإله في مجمع الآلهة الأوغاريتي، الأمر الذي سأتطرَّق إليه في التحليل اللغوي للاسم “دجن”.
يورد القسم الثاني من الرقيم أسماء بعض الأشياء والمواد الغذائية، مثل الخبز والخمر، ثمَّ عدداً من أسماء الألبسة. أمَّا في القسم التالي، فقد دوَّن الكاتب – في العمود الأيسر فقط – عدداً من السطور التي تتضمَّن عباراتٍ أموريةً كاملة، هي العبارات الكاملة الأولى التي اكُتشفت مدوَّنةً باللغة الأمورية بعد أن اقتصرتْ معرفتنا بهذه اللغة على بعض أسماء الآلهة وأسماء العلم فقط. فيما يتعلَّق بالجزء المقابل في العمود الأكَّادي، وعلى الرغم من أنَّ الكاتب لم يُقدِّم الترجمة الأكَّادية، إلا أنه دوَّن الرموز السومرية (É.LÍL.LÁ) مكرَّرةً ثلاث مرَّاتٍ في السطر المقابل للعبارة الأمورية “لَمَ لا يِثَ” (= لِمَ ليسَ) في السطر الثاني والعشرين من العمود الأموري. تُشكِّل هذه الرموز السومرية عبارةً تعني “بيتٌ مفتوحٌ للرياح”. في تحليلهما لهذه العبارة، أشار جورج وكريبرنيك إلى أنَّ المقطع LÍL.LÁ (= مفتوحٌ للرياح/للعناصر) عادةً ما يرد في وصف كلمات مثل البيت والمدينة والحظيرة والمعبد في إشارة إلى كونها مهجورةً وغير مأهولة، وغالباً ما ترد في سياقات رثائية. لا يمكننا الجزم بأسباب عدم تدوين الترجمة الأكَّادية لهذه السطور الأمورية، لكنها قد تكون عباراتٍ مقتبسةً من صلوات أو مرثيات معروفة لدى الأموريين وحدهم. بعد ذلك، ترد في النقش عبارات قصيرة يمكن أن تفيد المتعاملين مع ناطقي الأكَّادية، مثل “تعالَ إليَّ”، و”تكلَّمْ معي”، و”يُحيِيْكَ الإله”. وبهذه السطور ينتهي النقش الأوَّل.
قراءتي بالعربية للعمود الأموري في النقش الأوَّل:
الوجه الأوَّل
1. دَجَنْ
2. كَامِثْ
3. أَثِيـ┐ـرَ┌تُمْ
4. يَرَ[خُـ]ـمْ
5. رَسَـ┐ـفُـ┌ـمْ
6. آ[رُ]مْ
7. غَلَمُ
8. عَنَاتُمْ
9. فِيدْرَايَا
10. أشْتِي ؤُلْعَلْتي
11. كَيْمَاتْ
12. إيلْتُوخْرِيَا
13. دَرُرُ
الحافَّة السفلية
14. إِ[xx]ـرُ
الوجه الثاني
15. ┐يـ┌[xx]┐ـتُمْ/ـلُمْ┌
16. لَـ[ـحْـمُ]
17. سَأْبُ
18. دِيْدُمْ
19. صِـ┐ـنِِيفْتُمْ┌
20. حُبُوْسُ
21. نَعْلُ
22. لَمَ لا ┐يِـ┌[ـثَ]
23. إِيلُ بِيْـ[ـنَـ]ـنَا
24. دَادُوْمَ دَ[ادُ]وْمَ
25. وَخِطُّ خِطُّ؟
26. يَمُـ[xxx]┐x┌
27. وَأَبِيْمَ ┐دَا┌دِيْكَ
28. سُوْطَا لِيَ
29. شِجَا أَثْتي
30. تَمَرْ أَثْتي
31. لِيِحْوِ┐ـيْـ┌ــكَ [إِيْلُ]
الحافَّة السفلية
ترجمتي إلى العربية للعمود الأموري في النقش الأوَّل:
الأسطر من 1 إلى 13 تتضمَّن 13 اسماً (ما بين قوسين الأسماء المقابلة في العمود الأكَّادي)
الوجه الأوَّل
1. دَجَن (إنليل)
2. كَامِثْ (إيا)
3. أَثِيرَةٌ (بِيلِتْ إيلِ)
4. يَرَخٌ (سين)
5. رَسَفٌ (نرجال)
6. آرٌ (إِيشُمْ)
7. غَلامُ (شُبُلا)
8. عَنَاتٌ (عشتار)
9. فِيدْرَايَا (ناناي)
10. أَشْتِي ؤُلْعَلْتِي (عشتاران)
11. كَيْمَاتْ (زَفُّ)
12. إيلْتُوخْرِيَا (إِسْ ليم)
13. دَرُرُ (كَكَّب إيا)
الحافَّة السفلية
14. خبز الجعة *
الوجه الثاني
15. خبزةٌ واحدة؟ *
16. الخبزُ
17. الخمرُ
18. جعةٌ
19. عمامةٌ
20. الحزامُ
21. النعلُ
22. لِمَ ليسَ [ثمَّةَ]
23. إلهٌ بيننا
24. الحبُّ، الحبُّ
25. وخِطُّ خِطُّ؟
26. […]
27. وأريدُ حُبَّكَ
28. امشِ/تعالَ إليَّ
29. سِرْ إليَّ؟
30. تكلَّمْ معي
31. يُحيِيكَ الإلهُ
الحافَّة السفلية
32. نفسَكَ فلِيُحْيِ الإلهُ
تحليل لغوي
1. دَجَنْ: إله سامي معروف، يرد اسمه في النقوش الأوغاريتية (𐎄𐎂𐎐)، كما ورد في التوراة (داجون = דגון). تعني كلمة “دجن” في الأوغاريتية “قمح” أو “حبوب”، لكن القاموس الأوغاريتي يشير إلى أنَّ اسم الإله مشتقٌّ من جذر آخر لا نعرفه.[2] ورد “دجن” في النقش مقابلاً للإله “إنليل” في العمود الأكَّادي، وهو كبير الآلهة السومرية وإله السماء والعواصف في الحضارات الرافدينية القديمة، وهذا ليس بالأمر الجديد، إذ نجد مطابقة بين الإلهين في عدد من النقوش الأثرية التي عُثر عليها في المدن البابلية، وكذلك في إيبلا. لكنَّ وروده على رأس آلهة الأموريين أيضاً يدفعني إلى إعادة النظر في معنى الاسم “دجن” وفي الدور الذي كان يلعبه بين آلهة أوغاريت؛ فعلى عكس الاعتقاد الشائع – الذي ينفيه القاموس الأوغاريتي كما تقدَّم – لم يكن “دجن” إلهاً للقمح أو الحبوب أو الزراعة بشكل عام، بل إلهاً سماوياً حاله حال “إنليل”. نجد في المعاجم العربية ما قد يرشدنا إلى تأصيلٍ مناسبٍ لهذا الاسم، فقد حمل الجذر “دجن” معانيَ كثيرة في العربية جميعها مرتبط بالمطر والسماء. جاء في لسان العرب: «الدَّجْنُ: ظلُّ الغيم في اليوم المَطير»، و«إلباسُ الغَيم الأَرضَ، وقيل: هو إِلْباسُه أَقطارَ السماء»، و«يوم دَجْنٌ إذا كان ذا مطر»، و«الدَّجْن: المطر الكثير. وأَدْجَنت السماء: دام مطرها». أمَّا في النقوش الأوغاريتية، فنلاحظ غياب أي وصف للإله “دجن”، وكذلك يغيب كل ذكر لصفاته أو للدور الذي لعبه بين بقية آلهة أوغاريت، وتقتصر معرفتنا به في هذه النقوش على نصوص القرابين التي ذُكر اسمه فيها مراراً. ومع ذلك، فقد تكرَّر لقب “بن دجن = ابن دجن” في النقوش الأوغاريتية، وهو لقب لبعل ورد تبادلياً معه في أكثر من 10 مواضع.[3] وبما أنَّ “بعل” كان ابناً للإله “إيل” – إله السماء وأبي الآلهة وكبيرهم – كما نعرف من العديد من النقوش الأوغاريتية، لا يسعني إلا أن أتساءل عمَّا إذا كان “دجن” ليس إلا لقباً أو اسماً آخر لإله السماء “إيل”. سأتطرَّق إلى موضوع الإله “دجن” ودوره في البانثيون الأوغاريتي لاحقاً في بحث مستقل.
2. كَامِثْ: إله نعرف اسمه من نقوش إيبلا وغيرها بكتابة “كميش”، و”كميش” هي القراءة التي اعتمدها جورج وكريبرنيك في دراستهما. لكنني أختلف معهما؛ إذ يرد اسم هذا الإله في النقوش الأوغاريتية المدوَّنة بالمسمارية الأبجدية في صيغة كمث (𐎋𐎎𐎘) بالثاء السامية الأصلية (انظر النقش الأوغاريتي KTU 1.100)، كما ورد في صيغة “كَمَاث” في النقوش الأوغاريتية المدوَّنة بالمسمارية المقطعية (كَمَاث = ka-ma-ši)،[4] ما دفعني إلى اختيار قراءة “كَامِثْ” (بالثاء السامية وفي صيغة اسم الفاعل) بدلاً من “كَمِيشْ”. لا تساعدنا النقوش التي تتضمَّن اسم هذا الإله على فهم معناه، وكذلك لا تسعفنا المعاجم والقواميس السامية، لكنه يرد في هذا النقش مقابل إله الماء العذب “إيا” في العمود الأكَّادي.
3. أَثِيْرَتُمْ (أثيرةٌ): إلهة سامية معروفة، ورد اسمها في النقوش الأوغاريتية (𐎀𐎘𐎗𐎚 = أثرت/أثيرة)، وكانت زوجة الإله إيل. كما في العربية، يحمل الجذر “أثر” في الأوغاريتية عدداً من المعاني، بما في ذلك الأثر (أي البقيَّة)، كما ترد فعلاً بمعنى “تبع/لحق/ذهب”، وظرف زمان يعني “بعد ذلك”، وظرف مكان يعني “خلف/وراء”، إضافة إلى معانٍ أخرى في الأوغاريتية والعربية وغيرهما من اللغات السامية، لذا يصعب تأصيل وفهم معنى اسم هذه الإلهة. ورد اسمها في النقش مقابل الإلهة “بيلِتْ إيلي” (ربمَّا بعلت إيل) في العمود الأكَّادي.
4. يَرَخُمْ (يرخٌ): إله يعني اسمه “قمر”، وهو معروف في عدد من الحضارات والممالك السامية، ويقابله في الأوغاريتية يَرَخ (𐎊𐎗𐎃) وتعني “قمر”، أو “إله القمر”، أو “شهر”، وفي العبرية يَرِحْ=يَرِيَّحْ (ירח) التي تعني القمر. بقي من هذا الجذر في العربية كلمات مثل التاريخ والتأريخ، وعليه يكون المعنى الحرفي للتأريخ في العربية هو: عَدُّ الأقمار. ورد في النقش مقابلاً للإله القمر “سين” في العمود الأكَّادي.
5. رَسَفُمْ (رسفٌ): إلهٌ يعني اسمه “شعلة” أو “وباء” في اللغة العبرية (رِشِف = רשף)، وفي النقوش الأوغاريتية نجد رَشَف (𐎗𐎌𐎔) الذي يشير إلى إله الأوبئة والأمراض، ويعتقد أنه كان يُمثِّل كوكب/إله المرِّيخ. ورد اسمه في النقش مقابل إله العالم السفلي “نرجال” في العمود الأكَّادي.
6. آَرُمْ (آرٌ): إله يعني اسمه “نار”. وقد ورد في النقش مقابلاً للإله “إِيْشُمْ” في العمود الأكَّادي، وهو اسم يحمل المعنى نفسه. تجدر الإشارة إلى أنَّ جورج وكريبرنيك لم يُعيدا في دراستها الأوَّلية للنقشين بناء هذه الكلمة الأمورية التي تشوَّه فيه موضع الراء، على الرغم من أنَّ المقابل الأكَّادي يحمل معنى النار أيضاً. ومع ذلك، فقد رجَّحا هذه القراءة.
7. غَلَمُ: إله يعني اسمه “غُلام”. ورد اسمه في النقش مقابلاً لإله الجحيم “شُبُلا” في العمود الأكَّادي.
8. عَنَاتُمْ (عناتٌ): الإلهة عنات/عناة المشهورة في النقوش الأوغاريتية (𐎓𐎐𐎚). وقد ورد اسمها في النقش مقابلاً للإلهة “عشتار” في العمود الأكَّادي. كنت قد ذكرتُ سابقاً في أكثر من موضع أنَّ الإلهة الأوغاريتية “أثيرة” (وكذلك عشيرة في التوراة) لا علاقة لها بالإلهة “عشتار”، ويأتي هذا النقش الأموري ليشير – بوضوح – إلى أنَّ عنات الأوغاريتية هي عشتار البابلية، وليس أثيرة التي تقابلها في الأكَّادية “بيلِتْ إيلي”.
9. فِيدْرَايا: إلهة نعرفها من النصوص الأوغاريتية (𐎔𐎄𐎗𐎊)، ربَّما كان اسمها في الأوغاريتية يعني “القرية”، وهي ابنة الإله بعل، وكانت تُمثِّل إلى جانب أختيها “طلَّايا” و”أرصايا” ثالوثاً إلهياً مؤنَّثاً في أوغاريت. ورد اسمها في النقش مقابلاً لإلهة الحُب “ناناي” في العمود الأكَّادي.
10. أَشْتِي ؤُلْعَلْتِي: لا نعرف شيئاً عن هذا الإله في صيغته الأمورية، لكن اسمه يبدو مركَّباً من كلمتين، الأمر الذي يثير التساؤل حول الإله المقابل في العمود الأكَّادي، وهو “عِشْتَاران”. فنظراً إلى احتمالية أنَّ يكون الاسم الأموري اسماً مركَّباً (وهو أمر شائع في الحضارات القديمة، مثل الإله “كوثر وخسيس” في أوغاريت)، قد تكون الألف والنون في نهاية اسم الإله الأكَّادي “عشتاران” هما ألف ونون التثنية، لا الألف والنون الزائدتين اللتين نجدهما في أسماء مثل “عدنان” و”سلمان” كما كان يُعتقد في السابق. قارن جورج وكريبرنيك بين هذا الاسم وأسماء وكلمات عيلامية، لكن لا يمكن ترجيح أيٍّ منها.
11. كَيْمَاتْ: نجد مقابلاً لهذا الاسم في العبرية (كِيمَهْ = כימה)، وكذلك في الإبلائية (كَمَاتُ/كَيْمَاتُ)، وهو يعني كوكبة الثريَّا. حاول جورج وكريبرنيك تأصيله من خلال رده إلى كلمة “كِيمْتُمْ” التي تعني “عائلة” في الأكَّادية. ورد الاسم في النقش مقابل “زَفُّم” في العمود الأكَّادي، وهو اسم كوكبة الثريَّا.
12. إيلْتُوخْرِيَّا: لا نعرف شيئاً عن هذا الاسم في صيغته الأمورية، لكنَّ جورج وكريبرنيك أشارا إلى أنَّ الاسم قد يكون مركَّباً من مقطعين، الأوَّل هو “إيلت” أي إلهة، أمَّا الثاني “خريَّا” فقد أشارا إلى التشابه بينه وبين اسم كوكبة الثريَّا في اللغة العربية، وبذلك قد يكون المعنى “إلهة الثريَّا”. إلا أنني لا أتَّفق مع هذا الرأي، فكما يتبيَّن في كلمات أخرى، استخدم الكاتب الأموري الرموز المقطعية للخاء لتدوين الخاء نفسه، إضافة إلى الحروف الحلقية الأخرى التي تفتقر الأكَّادية إليها، وهي (ع غ ح ء). أمَّا الثاء، فقد دوَّنها باستخدام رموز السين والشين. يُضاف إلى ذلك أنَّ الاسم المرجَّح لكوكبة الثريَّا هو “كيمات” الذي نجد له مقابلات في لغات سامية أخرى، وهو الاسم الوارد في السطر السابق مقابل الكلمة الأكادية التي تعني الثريَّا. وردت “إيلْتُوخْرِيَّا” مقابل “إسْ ليم” في العمود الأكَّادي، وهو اسمٌ لكوكبة في السماء ويعني “فكُّ الثور”.
13. دَرُرُ: اسم يعني “النجم” أو “الكوكب”، وقد ورد في النقش مقابل ” كَكَّب إيا” في العمود الأكَّادي، وهو اسمٌ لنجمٍ في السماء ويعني كوكب/نجم الإله إيا. يُذكِّرني اسم هذا النجم بالعبارة القرآنية “كوكبٌ دُرِّيّ”، إذ تجمع بين “كَكَّب” الأكَّادية و”دَرُرُ” الأمورية.
14. إِ[xx]ـرُ: بسبب تهشُّم الكلمة في موضعٍ يتَّسع لحرفين على الأقل، لا يمكننا الاستدلال على الكلمة الأمورية، لكنها وردت مقابل كلمة “فَفِّيرُمْ” في العمود الأكَّادي، وتعني خبز الجعة.
15. ┐يـ┌[xx]┐ـتُمْ/ـلُمْ┌: كما في الكلمة السابقة، لا يمكننا قراءة هذه الكلمة بوضوح، لكنها وردت مقابل كلمتين أكَّاديتين ربَّما تعنيان “خُبزة واحدة”، ولا نعرف المقصود منها بالضبط.
16. لَحْمُ: أي الخبز، وهي كلمة ترد في العديد من اللغات السامية بهذا المعنى، بما في ذلك الأوغاريتية لَحْمُ (𐎍𐎈𐎎)، وكذلك في العبرية (לחם) والآرامية وغيرها. وردت هذه الكلمة مقابل كلمة “أَكْلُمْ” في العمود الأكَّادي، وهي تقابل الأكل في العربية، وتعني الأكل عموماً أو الخبز على وجه التحديد.
17. سَأْبُ: تعني في الأمورية “خمر”. في تحليلهما لهذه الكلمة، خَلُصَ جورج وكريبرنيك إلى أنَّ هذه الكلمة قد تعرَّضت لظاهرة القلب المكاني، وهي تقابل الفعل “سبا” الذي يعني في العبرية “تجرَّعَ/شَرِبَ الخمر”، وفي الأكَّادية “قدَّم الجعة”، ولم يتفطَّنا إلى أنَّ للكلمة مقابلاً عربياً يحمل المعنى نفسه دون قلب مكاني أو حتى تغيُّرٍ في اللفظ، إذ نجد في لسان العرب: «السَّـأْبُ: زِقُّ الخَمْر، وقيل: هو العظيم منها؛ وقيل: هو الزِّقُّ أيَّاً كان». كما نجد في النقوش الأوغاريتية الفعل المقابل شأب (𐎌𐎀𐎁) الذي يعني حمل أو نقل الماء. وردت هذه الكلمة مقابل كلمة “كَرانُمْ” في العمود الأكَّادي، وهي كلمة تقابل الكَرْم في العربية، وتعني الكَرْم أو العنب أو الخمر.
18. دِيْدُمْ (دِيْدٌ): لا مقابل لهذه الكلمة الأمورية في اللغات السامية الأخرى، وقد أشار جورج وكريبرنيك إلى أنها قد تكون ذات أصول سومرية. وردت هذه الكلمة مقابل الكلمة الأكَّادية “بلَِّتُمْ” التي تعني المزيج أو الخليط، وعادةً ما يُقصد بها جعة رديئة أو من نخبٍ ثان.
19. صِنِيفْتُمْ (صِنِيفْتٌ): تقابل هذه الكلمة الأمورية كلمة “صِنفة” في اللغة العربية، وتعني الإزار أو طرف الثوب. كما نجد لها مقابلاً في كلمة “صَنِيفْ” في العبرية، وتعني العمامة. أمَّا في الأمورية، فقد وردت مقابل كلمة “فَرْشِيجُمْ” الأكَّادية التي تعني العمامة.
20. حُبُوْسُ: تعني هذه الكلمة “حزام” أو “زنَّار”، وتقابلها في الأوغاريتية حُبُش (𐎈𐎁𐎌) بالمعنى نفسه، وكذلك في العبرية والآرامية وغيرها. أمَّا في العربية، فيقابلها الحَبْس. وردت هذه الكلمة مقابل كلمة “مِسِرُّمْ” في العمود الأكَّادي، وهي تقابل الجذر “صرر” (ومنه الصُّرَّة) في العربية، وتعني الحزام.
21. نَعْلُ: وتعني “نعل” أو “حذاء” في كل من العربية والأوغاريتية (𐎐𐎓𐎍) والعبرية (نعل = נעל) وغيرها من اللغات السامية. وردت هذه الكلمة مقابل كلمة “شِينُمْ” في العمود الأكَّادي، وتعني الحذاء أيضاً.
22. لَمَ/لَـمَايْ: أداة استفهام تعني “لِمَ/لماذا”. لا يمكنني الجزم بكيفية لفظ هذه الأداة في الأمورية، ولكن يمكن ترجيح لفظين؛ الأول هو “لَمَ”، وهو اللفظ الشائع لهذه الأداة في اللغات السامية، والثاني هو “لَـمَايْ”. قد يكون اللفظ الثاني مستغرباً بعض الشيء، لكنه أسلوب نجده في بعض اللغات السامية، ويشبه لفظ أداة الاستفهام “متى” في اللغة العبرية، إذ تُلفظ “مَتَايْ”. تجدر الإشارة إلى أنَّ العمود الأموري وحده يتضمَّن العبارات الواردة في هذا المقطع، بدءاً من السطر الثاني والعشرين وحتى السطر السابع والعشرين، ما يجعل من قراءة وترجمة بعض الكلمات الواردة في هذه السطور أكثر صعوبةً نظراً إلى غياب الترجمة الأكَّادية.
لا يِثَ: تعبير يعني “لا يوجد” يتألَّف من مقطعين هما “لا” النافية، و”يث” التي تُمثِّل أداة لغوية تفيد معنى الكينونة والوجود. ما زالت هذه العبارة حيَّةً في كلمة “ليس” في العربية، وهي كلمة منحوتة من المقطعين اللذين أشرت إليهما توَّاً. نجد في لسان العرب: «ليسَ: حرف استثناء وحرف جحود، أصلها لا أيسَ، ودليل ذلك قول العرب ائتِني به من حيثُ أيسَ وليسَ، أي من حيث هو وليسَ هو، وقد طُرحت الهمزة وأُلزقت اللام بالياء. ومعنى لا أيسَ: لا وُجِدَ». يشيع استخدام الأداة “يث” التي تعني “يوجد” في اللغات السامية، بما في ذلك الأوغاريتية (إِث = 𐎛𐎘)، وكذلك في العبرية (يِشْ = יש)، لكنَّ العديد من اللغات السامية تستخدم أداة مختلفة للنفي بدلاً من لا يث = لا يوجد، ولاسيَّما “إين” في الأوغاريتية والعبرية وغيرهما.
23. إيل: كلمة تعني إله، على غرار الأوغاريتية (𐎛𐎍) والعبرية (אל) وغيرهما. كما تُستخدم الكلمة نفسها اسماً علماً للإله الكنعاني “إيل” في عدد من اللغات، لكنها وردت في هذين النقشين بمعنى “إله” بشكل عام.
24. دَادُوْمَ: من الجذر “دود” الذي يشير في اللغات السامية إلى الحُبِّ والمودَّة (مثل داد = 𐎄𐎄 في الأوغاريتية، دود = דוד في العبرية). وردت الكلمة في صيغة الجمع ملحقةً بالواو والميم (الجمع في حالة الرفع)، وقد تعني “مُحِبُّون” أو “أحباب”، أو قد تكون صيغة جمع لكلمة “الحُب”، أو لـ”ممارسة الحُب” كما رجَّح جورج وكريبرنيك. يتكرَّر هذا الجذر ملحقاً بكاف المخاطب المذكَّر في الأسطر التالية في كلمة “دَادِيْكَ” في السطر السابع والعشرين.
25. خِطُّ/خِدُّ: تصعب قراءة هذه الكلمة لأسباب عديدة، فرمز الخاء – كما ذكرنا – قد يقصد الكاتب به أحد الحروف الحلقية (خ ح ع غ ء)، وكذلك الدال الذي قد يكون دالاً كما كُتب، أو طاء – وهي القراءة التي استقرَّت إليها دراسة جورج وكريبرنيك. أورد الباحثان عدداً من الكلمات المحتملة، مثل “حنطة”، أو “خيط” التي تعني العصا أو الصولجان في الأكَّادية والأوغاريتية، وقد رجَّحا الأخيرة لكونها ترد في النقوش الأوغاريتية في سياقات سحرية ربَّما يكون هذا المقطع شبيهاً بها. ومع ذلك، يمكننا قراءة هذه الكلمة وفق أوجه كثيرة أخرى لم ترد في دراسة جورج وكريبرنيك، ولكن لا يمكن ترجيح أحدها على الآخر. وعليه، اخترتُ ألا أقفز إلى استنتاجات لا دليل يدعمها، ولم أقدِّم ترجمةً لهذه الكلمة.
26. لم ينجُ من هذا السطر إلا مقطعان صوتيان هما “يا” و”مُ”، وقد يشكِّلان معاً كلمات كثيرة، مثل “يَمُّ” التي تعني “بحر”، أو “يَوْمُ” التي تعني “يوم”، إضافة إلى كلمات واحتمالات أخرى لا يمكن ترجيح أيٍّ منها.
27. أَبِيْمَ دَادِيْكَ/أَبِيْ مَ دَادِيْكَ: ثمَّة احتمالات متعدِّدة لقراءة هذا السطر؛ إذ يمكننا قراءة المقطع الأوَّل “أبي” بمعنى “أبي/والدي”، أو كالفعل “أبي/أبى” الذي يعني “أريد” في عدد من اللغات السامية، بما فيها العبرية (אבה)، وقد رجَّح جورج وكريبرنيك هذه القراءة إضافةً إلى قراءة “أبي=أنبي” من الجذر “نبأ”. تجدر الإشارة إلى أنَّ الفعل “أبي” ما زال مستخدماً في بعض اللهجات العربية بمعنى “أريد”.
فيما يتعلَّق بالميم بعد الفعل، فهي قد تُمثِّل لاحقةً للفعل “أَبِي+مَ = أَبِيمَ” لا عمل لها، على غرار نون التوكيد في العربية مثلاً (نجد لواحق مشابهة في الأفعال التي وردت في النقشين، ولاسيَّما في النقش الثاني سأتناولها في حينه)، وهذا ما ذهب إليه جورج وكريبرنيك. وقد تكون أداة مستقلَّة عن الفعل “أَبِيْ” وعن الاسم “دَادِيْكَ”، كما قد تكون الحرف الأوَّل من كلمةٍ هي “مَدَادِيْكَ”، والأخيرة مستبعَدةٌ لأسباب كثيرة، بما فيها ورود كلمة “دَادُوْمَ” في بداية هذا المقطع، وهي الكلمة نفسها ولكن في حالة الرفع بالواو الميم، أمَّا “دَادِيْكَ” فهي مفعولٌ به منصوبٌ بالياء والميم، وحُذفت الميم للإضافة.
28. سُوطَا لِيَ: يقابل فعل الأمر الأموري “سوط” الذي يعني “امشِ” أو “سِرْ” كلمة “الشوط” في اللغة العربية، والشوط في لسان العرب: الجري إلى غاية. كما نجد مقابلاً له في لغات سامية أخرى، مثل “شاطُمْ” في الأكَّادية الذي يعني “سحب” أو “جرَّ”. أما الألف في نهاية الفعل “سوطا”، فهي قد تكون ألف التثنية، ليصبح المعنى شيئاً من قبيل “امشيا/سيرا إليَّ”. ومع ذلك، ونظراً إلى أنَّ الفعل الأكَّادي المقابل جاء في صيغة المفرد، يرى جورج وكريبرنيك أنَّ الألف في النهاية هي ألف توكيدية، تشبه الهاء التي قد تلحق ببعض أفعال الأمر في العبرية، وهي هاء تُلفظ كألف المد، في ظاهرة تشبه لفظ التاء المربوطة في كلمة “مَدْرَسَةْ” إذا لم نحرِّك آخرها.[5] وردت هذه العبارة مقابل عبارة “أَلْكَمْ أَنَ صِيْرِيَ” في العمود الأكَّادي، وتعني “تعالَ إليَّ”. تجدر الإشارة إلى أنَّ الكاتب قد استأنف تدوين الترجمة الأكَّادية بدءاً من هذه العبارة.
29. شِجَا: نواجه عند تحليل هذه الكلمة مشكلات جمَّة، أهمُّهما أنَّ موضع الفعل المقابل في العمود الأكَّادي مشوَّه إلى حدٍّ كبير، وتستحيل إعادة بنائه. وقد جهد جورج وكريبرنيك في قراءة هذه الكلمة على أوجه مختلفة، إذ قرآ الجيم قافاً، والشين شيناً أو ثاءً، فردَّاها إلى الجذر “مشق/نشق” الذي يعني “قَبَّل” – وهو فعل يرد في نهاية النقش الثاني بالقاف لا بالجيم – أو إلى الجذر “وثق” المعروف في اللغة العربية. لكنَّ هذه الاحتمالات ما من دليل يدعم أحدها. تجدر الإشارة إلى هذا الفعل – إذا كان شجا بالشين كما دُوِّن لا ثجا بالثاء – قد يكون ذا علاقة بالجذر “شجج” الذي يحمل معانيَ متعدِّدة في العربية، ومنها ما جاء في لسان العرب: «شجَّ الأرض: سار سيراً شديداً». وبالنظر إلى هذا المعنى، قد يكون هذا الفعل مرادفاً للفعل “سوط” الذي ورد في السطر السابق.
أَثْتِي: أداة تعني “معي”. نجد أدوات مشابهة في عدد من اللغات السامية بتنويعات على اللفظ، مثل “إيتي = אתי” في العبرية و”إتِّيَ” في الأكَّادية. وردت الكلمة في هذا السطر مقابل التعبير الأكَّادي “أَنَ صِيْرِيَ” الذي تناولته في السطر السابق ويعني “إليَّ”، وترد مرة أخرى في السطر التالي مقابل الأداة الأكَّادية “إتِّيَ” التي تعني “معي” أيضاً. تجدر الإشارة إلى أنَّ جورج وكريبرنيك عدَّا هذه الكلمة مرتبطة بالاسم القديم للرقم واحد، وهو “عَشْتِي”، وقدَّرا أنَّ الكلمة تشبه في تركيبها أدوات نعرفها من لغات سامية أخرى، مثل “يَحْدَاوْ/يَحْدَاڤْ” في اللغة العبرية المشتقَّة بدورها من الرقم واحد، وتعني “معاً”. إلا أنَّ الترجمة الأكَّادية “أَنَ صيري = إليَّ” في السطر المقابل تدفعني إلى الاختلاف معهما، وليس من المستعبد أن يحمل حرف الجر أكثر من معنى واحد، كما في حالة حرف الجر “عِم” في الأوغاريتية، إذ كان يمثِّل كلاً من حرفي الجر “مع” و”إلى” في العربية، إضافة إلى معانٍ أخرى.
30. تَمَرْ: إحدى صيغ فعل الأمر للجذر “أمر”، ويعني “قُلْ/تحدَّثْ”، وهو فعل شائع في أغلب اللغات السامية، بما في ذلك الأوغاريتية (𐎀𐎎𐎗) والعبرية (אמר)، وكذلك في العربية (أمر: طلب). ورد في العمود الأموري مقابل فعل الأمر “أَتْوُ” الذي يحمل المعنى نفسه، وأعتقد أنَّ الفعل الأكَّادي الأخير قد يكون مرتبطاً بكلمة “هَوَت = 𐎅𐎆𐎚” التي تعني “كلمة” أو “قَوْل” في الأوغاريتية.
31. يِحْوِيْكَ: أي “يُحْيِيْكَ”، كما في العربية والعديد من اللغات السامية الأخرى. ورد هذا الفعل مقابل الفعل “يبَلِّطْكَ” في العمود الأكَّادي، وهو يحمل المعنى نفسه.
32. نَفْسَكَ: تتطابق هذه الكلمة مع “نَفْسَكَ” في العربية، وهي كلمة شائعة في اللغات السامية. وردت مقابل “نَفِشْتَكَ” في العمود الأكَّادي بالمعنى نفسه.
أرشي: من جديد لا يمكننا تأكيد هذا الفعل، وثمَّة احتمالات كثيرة لقراءته وتأصيله، وقد يكون من الجذر “ورث/يرث” كما أشار جورج وكريبرنيك، ليكون معنى العبارة شيئاً من قبيل “فليُورِثْكَ اللهُ نَفْسَكَ”. ونظراً إلى أنَّ الفعل المقابل الذي ورد في العمود الأكَّادي هو “يبلِّط”، نستدلُّ على أنَّ هذا الفعل الأموري يمثِّل مرادفاً لفعل “يِحْوِيْكَ” في السطر السابق، إذ تُرجم كلاهما إلى “يبَلِّط” في الأكَّادية.
ملاحظات عامَّة
– لا تسلم النقوش الأثرية من تهشُّم أو تشوُّه بعض المواضع. ولم يكن هذان النقشان استثناءً، إلا أنَّ ما يميِّزهما هو تضمُّنهما لعمودين يمثِّل كلُّ سطر في أحدهما ترجمةً للسطر المقابل، وهذا من حُسن الطالع؛ فإذا ما كان السطر في أحد العمودين مشوَّهاً، تمكَّنَّا من فهمه وقراءته وفقاً للسطر المقابل في العمود الثاني.
– أعاد جورج وكريبرنيك بناء بعض الكلمات الأمورية في الأجزاء المشوَّهة وفقاً للسطر المقابل في العمود الأكَّادي، أو بحسب المعلومات المتاحة عن الأمورية نفسها أو اللغات السامية الشقيقة (كُـتبت هذه المقاطع بين معقوفتين [ ])، وثمَّة كلمات أخرى تعرَّضت لتشوُّهٍ جزئيٍّ، لكن ما زلنا قادرين على تَبيُّن الرمز المقصود منها (كُتبت هذه المقاطع بين معقوفتين قصيرتين ┐ ┌).
– كما تقدَّم، استخدم الكاتب في العمود الأموري الرموز المقطعية للخاء لتدوين المقاطع التي تتضمَّن أصوات العين والغين والحاء والخاء والهمزة، وذلك نظراً إلى افتقار الأكَّادية إلى رموز خاصَّة بهذه الحروف الحلقية (باستثناء الخاء)؛ فكُتبت الكلمات التي تتضمَّن المقطع الصوتي “عَ = ʕa” كما في اسم “عَنَاتُمْ” باستخدام الرمز “خَ = ḫa” في الأكَّادية: خَنَاتُمْ (ḫa-na-tum). وكلمة “مَلْأَكُمْ”، التي تعني الـمُرْسَل أو الرسول، فقد كُتبت الهمزة فيها باستخدام الخاء أيضاً: مَلْخَكُمْ (ma-al-ḫa-kum). وكذلك الفعل “يِحْوِيْكَ” الذي يعني يُحيِيكَ، فقد كُتب مقطع “يِحْ” باستخدام رمز الخاء: يِخْوِيْكَ (iḫ-wi-ka). وكلمة “غلام” أيضاً كُتبت باستخدام الخاء: خَلَمُ (ḫa-la-mu).
فيما يتعلَّق بحرف الثاء السامي، استخدم الكاتب الأموري الرموز المقطعية التي تُعبِّر عن أصوات السين والشين للتعويض عن الثاء، فُكتبت كلمات مثل “أثيرة” باستخدام الرمز الذي يعبِّر عن الشين: أَشِيْرَتُمْ (a-še-ra-tum).
– استخدمت الأمورية، على غرار الأكَّادية، التمييم بدلاً من التنوين في العربية. وعليه، فإن كلمات مثل “عَنَاتُمْ” و”لَحْمَمْ” تمثِّل المقابل الحرفي لكلمتي “عناتٌ” بتنوين الضم و”لحماً” بتنوين الفتح على التوالي.
– بعض الكلمات التي من المفترض أن تتضمَّن تمييماً في نهايتها اقتصرت على الحركة دون التمييم، ما يشير – برأيي – إلى أنَّ هذه الكلمات كانت معرَّفةً (كالتعريف بأل في العربية). ولكن يبدو أنَّ الأمورية كانت تفتقر إلى أداة للتعريف، على غرار اللغة الأوغاريتية التي تغيب فيها أداة التعريف أيضاً، وكذلك تغيب فيها أداة التنكير، أي التمييم أو التنوين. أما جورج وكريبرنيك، فكان لهما رأي مختلف؛ فقد خَلُصا إلى أنَّ تضمين التمييم في أواخر بعض الكلمات لا يعدو كونه تأثُّراً باللهجات الأكَّادية.
– على غرار الأوغاريتية والأكَّادية، وغيرهما من اللغات السامية، لا يُلفظ حرف الفاء في اللغة الأمورية بلفظه العربي المعهود، بل يُلفظ كحرف p في اللغات الأوروبية، وهكذا تنبغي قراءة الأسماء الواردة في كلا العمودين، مثل “فيدرايا = pidraya” في العمود الأموري و”زفُّ = zappu” في العمود الأكَّادي. وقد درجتُ على تدوينه باستخدام حرف الفاء في العربية وإن اختلف اللفظ، وذلك لغياب ما يمثِّل اللفظ نفسه في العربية.
– تختلف كيفية ترقيم السطور الأمورية في هذه الدراسة عن دراسة جورج وكريبرنيك، إذ عمدا في دراستهما إلى اعتبار السطرين 22 و23 سطراً واحداً نظراً إلى أنهما يتضمَّنان جملة كاملة واحدة، فجعلا ترتيب السطر الأول 22a والثاني 22b.
خاتمة
تُسلِّط هذه الدراسة الضوء على نقشين أموريين، هما الأوَّل من نوعهما، يشكِّلان إضافةً مهمَّةً من شأنها أن تعزِّز فهمنا للأموريين ولغتهم، فضلاً عن الثقافة التي عاشوا في كنفها؛ إذ يكشفان عن مدى التفاعل اللغوي والثقافي بين الأموريين وجيرانهم من ناطقي الأكَّادية، إلى الحدِّ الذي جعل من إنتاج نقوشٍ ثنائية اللغة كهذه أمراً ضرورياً. لا تقتصر أهمِّية هذين النقشين على كونهما أوَّل النصوص الأمورية الكاملة التي اكتُشفت حتى الآن، بل يمثِّلان أيضاً دليلاً مادِّياً على العلاقات الوثيقة بين شعوب المنطقة، وعلى الديانات والآلهة “العابرة للحدود”، وعلى السياق الحضاري الواحد الذي جمع بين سكَّان الشرق، والذي يتَّضح من خلال تشابه الأمورية مع اللغات الشقيقة، ولاسيما من حيث الكلمات التي كادت أن تكون مطابقةً لكلماتٍ ساميةٍ حفظتْها هذه اللغة أو تلك، بما فيها العربية والأوغاريتية والعبرية والآرامية، وغيرها من اللغات.
بالاستناد إلى هذه التشابهات، سارعت بعض الصحف بعد نشر دراسة جورج وكريبرنيك إلى الإعلان عن نتائج فيها الكثير من الشطح والقفز إلى الاستنتاجات والتعامي عن الحقائق، فهذه تجعل من اكتشاف الأمورية اكتشافاً للسلف المباشر للغة العبرية نظراً إلى التشابه بين اللغتين، وأخرى تجعل منها السلف المباشر للعربية للسبب نفسه، ناهيك عن ادِّعاءات أخرى لا تستحقُّ عناء الردِّ عليها. ولكن هل يمكن ترجيح أيٍّ من هذه الادِّعاءات؟ لا، أو ربَّما ليس بعد. فعلى الرغم من أهمِّيَّتهما، إلا أنَّ هذين النقشين لا يتضمَّنان إلا نزراً قليلاً من مفردات اللغة الأمورية، ولا يكشفان إلا عن بعضٍ من خصائصها اللغوية، ولا شكَّ في أننا في حاجة إلى دراسة نقوش أخرى لتعزِّز بأدلَّتها هذا الرأي أو ذاك قبل إطلاق الأحكام. لذا، آمل ألا يكون هذان النقشان آخر تواصلٍ بيننا وبين الأموريين، وأتطلَّع إلى اكتشافاتٍ مقبلةٍ ستُثري معرفتنا التاريخية واللغوية، وتُوسِّع فهمنا للحضارة واللغة في الشرق الأدنى القديم.
المراجع
باللغة الإنجليزية:
– George, A., & Krebernik, M. (2022). Two remarkable vocabularies: Amorite-Akkadian bilinguals! Revue d’assyriologie et d’archéologie Orientale, Vol. 116(1), 113–166. https://doi.org/10.3917/assy.116.0113
– Olmo Lete, G. del, Sanmartín, J., & Watson, W. G. E. (2015). A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition. Third Revised Edition. Brill.
– Brown, F., Driver, S. R., Briggs, C. A., Gesenius, W., & Strong, J. (2000). The Enhanced Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon: With an appendix containing the Biblical Aramaic. Logos Research Systems.
– Black, J., George, A., & Postgate, N. (2000). A Concise Dictionary of Akkadian. Harrassowitz.
باللغة العربية:
– ابن منظور، محمَّد بن مكرَّم. (2012). لسان العرب. المجلَّد الأوَّل. دار الفكر.
[1] فيما يتعلَّق بوصف النقشين، وبالمعلومات الواردة حول تاريخهما ووضعهما الراهن، وبالقراءة المعتمدة للمسمارية المقطعية الأكَّادية، وحيثما أشير إلى “جورج وكريبرنيك” في هذه الدراسة، انظر:
George, A., & Krebernik, M. (2022). Two remarkable vocabularies: Amorite-Akkadian bilinguals! Revue d’assyriologie et d’archéologie Orientale, Vol. 116(1), 113–166. https://doi.org/10.3917/assy.116.0113
* في هذه الكلمة، والكلمة التي تليها، لا يسعنا إلا الاعتماد على الترجمة الأكَّادية في العمود المقابل نظراً إلى أنَّ الكلمتين الأموريتين مشوَّهتان إلى حدٍّ تصعب معه إعادة قراءتهما لتأصيلهما وترجمتهما.
[2] فيما يتعلَّق بمعاني الكلمات الأوغاريتية الواردة في التحليل اللغوي، انظر القاموس الأوغاريتي-الإنجليزي الصادر عن دار بريل:
Olmo Lete, G. del, Sanmartín, J., & Watson, W. G. E. (2015). A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition. Third Revised Edition. Brill.
[3] للمزيد انظر النقوش KTU 1.2 – 1.6 – 1.10 – 1.12. على سبيل المثال: «بعلُ شهوةً سيشتهيهما، ابنُ دجن سيتعطَّشُ إليهما» – من ترجمتي للنقش KTU 1.12.
[4] انظر النقش RS 15.09 A.
[5] مثال من سفر المزامير الإصحاح 82 الآية 8: «קוּמָה אֱלֹהִים שׇׁפְטָה הָאָרֶץ» (تُلفظ: قُومَا إِلُوهِيمْ شَفِطَا هَأرِصْ، أي: قُمْ يا الله، دِنِ الأرضَ). يُلاحَظ أنَّ هاء التوكيد أُلصقت بفعلي الأمر “قُومْ/قومَهْ” و“شَفِطْ/شَفِطَهْ”.

