«لأنَّ الجوعَ شديدٌ في أرضِ كنعان»
تحليل للنقوش الأوغاريتية التي وثَّقت المجاعة في العصر البرونزي المتأخِّر
مقدَّمة
عندما بدأتُ قراءة الألواح الأوغاريتية أوَّلَ الأمر، استوقفتْني ألواحُ الرسائل أكثر من جميع النصوص الأخرى، لما فيها من إشباعٍ لفضولٍ غريزيٍّ لديَّ وشغفٍ بأدب الرسائل، ولِما تكشفُه من تفاصيل الحياة الدقيقة التي قد تُغفِلُها نصوصُ الملاحم والأساطير. وقد حظي عددٌ من هذه الرسائل باهتمامي، ولاسيَّما تلك التي تتناول هموماً شخصية، كالرسائل بين أفراد الأُسرة الواحدة؛ أو هموماً عامَّةً، كالمراسلات الملكية والإدارية التي تناولت موضوعاتٍ سياسيةً ودبلوماسيةً متنوِّعة، ربَّما يكون أبرزَها موضوعُ المجاعة التي ضربت ممالك الشرق الأدنى، ومن بينها أوغاريت، نهايةَ عصر البرونز الأخير.
لا يقتصر ذِكرُ المجاعة التي ضربت بلاد كنعان على الرُّقُم المدوَّنة بالأوغاريتية وحدَها، فقد عُثِرَ على نقوشٍ أخرى مدوَّنةٍ بالأكَّادية تناولت هذه المجاعة.[1] كما نجدُ ذكراً لها في أسفار التوراة، ولاسيَّما في روايات الآباء في سفر التكوين، إذ تذكر التوراةُ الجوعَ الذي ضرب الأرض (أي كنعان) في أيَّام إبراهيم: «وَحَدَثَ جُوعٌ فِي الأَرْضِ، فَانْحَدَرَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأنَّ الْجُوعَ فِي الأَرْضِ كَانَ شَدِيدًا»؛[2] والمجاعةَ في أيَّام ولده إسحاق: «وَكَانَ فِي الأَرْضِ جُوعٌ غَيْرُ الْجُوعِ الأَوَّلِ الَّذِي كَانَ فِي أَيَّامِ إِبْرَاهِيمَ»؛[3] ثُمَّ في زمن حفيده يعقوب: «لَيْسَ لِغَنَمِ عَبِيدِكَ مَرْعًى، لأنّ الْجُوعَ شَدِيدٌ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ»،[4] ما يُشيرُ إلى الأثر العميق الذي تركتْه هذه الكارثةُ في الذاكرة الجمعية لسكَّان المنطقة.
أما في مملكة أوغاريت، فقد عُثر على العديد من النقوش[5] التي تُغطِّي نحو 30 عاماً من تاريخ المملكة، وهي تشيرُ بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ إلى معاناتها من نُدرة الغذاء. سأتناول في هذه الدراسة عشرة ألواحٍ منها مدوَّنةٌ باللغة الأوغاريتية[6]، وذلك في محاولةٍ مني لرسم صورة لتلك المرحلة اعتماداً على الرواية الأوغاريتية المسجَّلة في النقوش التي عُثر عليها في رأس شمرا، في معزل عن غيرها من الروايات.
الأسباب المحتملة للمجاعة
في البداية، لا بُدَّ لي من أن أُعرِّجَ على رقيمٍ أوغاريتيٍّ لا يتضمَّن ذكراً مباشراً للمجاعة، إلا أنه قد يُوضِّحُ أحد أسباب نُدرة الغذاء في أوغاريت في تلك المرحلة من تاريخها، إذ يتضمَّنُ اللوح (KTU 2.61 – الشكل 1) الذي عُثرَ عليه في القصرِ الجنوبيِّ رسالةً إلى مسؤولٍ أوغاريتيٍّ اسمُه «غردان»، أرسلها شخصٌ ما أغفل كتابة اسمه، وفيها يُبلِّغُ المسؤولَ بأنَّ عصابةً، أو كتيبةً من قُطَّاع الطرق، قد أحرقتْ جميع مخازن الحبوب والقمح في المدينة، ودمَّرت الكروم والمدينة بأسرها:
إلى غردانَ سيِّدي، قُلْ:
قاطِعُ الطريقِ[7] <قدْ> جاءَ [...]
هبطَ <إلينا> مع كتيبتِه ونهبَ المدينة.
القمحَ[8] في الأجرانِ[9] <قدْ> أحرقَ، أيضاً الكرومَ <قدْ> دمَّرَ.
مدينتُنا <قدْ> دُمِّرتْ، فاعْلَمْ. اعْلَمْ.

كما يتبيَّنُ من النقش، لا يذكر المرسِلُ اسمَه أو اسم المدينة التي دمَّرتْها هذه الهجمةُ الهمجية، لكنَّ الهجمات التي شنَّتها الجماعات التي توصف باسم «شعوب البحر» على سواحل ومدن المملكة قد وردت في نقوشٍ أوغاريتيةٍ أخرى، بما في ذلك الرسائل التي بعثها ملوك أوغاريت لطلب المساندة العسكرية من حلفائهم، ولاسيَّما خاتي وكركميش.[10] على الرغم من أننا لا نعرف تماماً كيف تعامل البلاط الأوغاريتيُّ مع هذه الأخبار المروِّعة، إلا أننا قادرون على استنتاج مدى تأثير دمار مدينةٍ بأكملها، بحقولها وكرومها ومخازن حبوبها، على اقتصاد مملكةٍ صغيرةٍ مثل أوغاريت، وعلى الأمن الغذائيِّ فيها، هذا إن اقتصر الأمرُ على مدينةٍ واحدةٍ فقط.
تجدر الإشارة إلى أنَّ للمجاعة أسباباً متعدِّدةً لا تقتصر على الهجمات فحسب، بل تشمل كذلك الجفاف وانقطاع المطر، فضلاً عن احتمالية تعرض المنطقة لنشاط بركاني وزلزالي.[11] صحيحٌ أنَّ مسألة الجفاف لا ترد في أي نقشٍ أوغاريتيٍّ إداريٍّ بشكلٍ مباشر، ولا تشير إليها المراسلات الملكية أو النصوص التجارية، إلا أنَّ النصوص الدينية الأوغاريتية تحفل بالإشارات إلى الجفاف الذي عانى منه الفلاحون، بما في ذلك ما ورد في «ملحمة كرت» (انظر النقش الأوغاريتي KTU 1.16)، فبعد عدَّة أسطر تتغنَّى بنعمة مطر الإله بعل، يصف النقش الآثار الكارثية للجفاف:
رفعَ الحرَّاثونَ رؤوسَهم
<انتصبت> ظهورُ حصَّادي القمحِ
<إذ> نفدَ الخبزُ من مخازنِهم
نفدَ الخمرُ من حُمُتِهم
نفدَ الزيتُ من آنيتهم.
دبلوماسية الأزمات في أوغاريت
بالعودة إلى النصوص التي تطرَّقتْ إلى شُحِّ الغذاء في المملكة، تُعدُّ المراسلات الملكية بين البلاط الأوغاريتيِّ والملوك والشخصيات السياسية في المنطقة من بين أبرز الرُّقُم ذات الصلة، ففيها دأب ملوك أوغاريت على طلب معونة الممالك الحليفة، وغير الحليفة أحياناً، لمواجهة خطر المجاعات التي ضربتْ بلادَهم، وأقولُ «مجاعات» لأنَّ هذه الرسائل لم تصدُرْ عن ملكٍ أوغاريتيٍّ واحدٍ فقط، بل عن اثنينِ منهما على أقلِّ تقدير، يفصل بينهما حُكمُ مَلِكَين. قد يكون الرقيم (KTU 2.81 – الصورة غير متوفرة) أقدمَ هذه المراسلات، إذ يخاطبُ فيه الملكُ الأوغاريتيُّ عميثتامرُ الثاني نظيرَه المصريَّ رمسيسَ الثاني مُسبِغاً عليه أعظمَ الصفات، كما خاطبَه بلقب «ملك الملوك»، وهو لقبٌ يغيب عن الديباجات التي استخدمها ملوك أوغاريت في مُخاطبة ملوك خاتي، حليفة أوغاريت وجارتها المُهيمنة عليها، مُتجاهِلاً بهذا العداءَ بين خاتي ومصر. وبعد مُقدَّمةٍ طويلةٍ أطنب فيها في تمجيد ملك مصر، ينتقلُ عميثتامرُ الثاني إلى مسألةٍ لا نتبيَّنُها بوضوحٍ بسبب تشوُّه الرقيم في عددٍ من المواضع، لكنَّه يشير فيها إلى إرساله الأموالَ إلى مصر. كما يتضمَّنُ النصُّ كلماتٍ متعلَّقةً بمسألة الغذاء، مثل «وزن» و«مؤونة» و«حبوب/بذور»:
إلى [الشمسِ]، الملكِ العظيمِ، ملكِ مصرَ، [الملكِ الطيِّـ]ـبِ
الملكِ العادلِ، [ملكِ الملو]كِ، سيِّدِ كُلِّ بلادِ [مصـ]ـرَ، قُلْ:
رسالةُ [عميثْتَمْـ]ـرَ عبدِكَ.
لقدمِ [سيِّدي أسجـ]ـدُ، ولسيِّدي <أدعو>:
فليسلمْ [بيتُكَ] وشعبُكَ وبلادُكَ و[خيولُـ]ـكَ ومركباتُكَ [وجيوشُكَ]
<وليسلمْ> كلُّ ما [للشمسِ، الـمـ]ـلكِ العظيمِ، ملكِ مصرَ
[الملكِ الطيِّبِ]، الملكِ الصـ[ـادقِ، ملكِ الملوكِ].
...
[...] الحبوب [...] الشمسُ الملكُ العظيمُ [...]
[...] الرسالة، كلُّ الحبوبِ [...] في بلادِ أوغاريت، وأيضاً [...] مع الشمسِ
الملكِ العظيمِ، ملكِ مصرَ، [الملكِ الطيِّبِ]، الملكِ العادلِ، ملكِ الملوكِ...[12]
أمَّا في الرقيم (KTU 2.46 – الشكل 2)، وهو مُدوَّنٌ بالأوغاريتية لكنَّه على الأرجح ترجمةٌ لرسالةٍ أكَّاديةٍ أو خاتيةٍ (حِثِّية)، تلقَّى ملك أوغاريت بشرى الإغاثة من رَجُلٍ يُدعى «فَجَن» اختلف الباحثون حول هويَّته، وفيها يخاطبُ الملكَ الأوغاريتيَّ بلقب «ابني»، ما يدلُّ على سُموِّ مقامه وعُلوِّ مكانته – ربَّما فوق مكانة ملك أوغاريت – ويعِدُه فيها بإمداد أوغاريت بما تحتاج إليه من غذاءٍ يبدو أنَّ الملكَ الأوغاريتيَّ قد طلبه في رسالةٍ سابقة:
رسالةُ فَجَنِ إلى ملكِ أوغاريت، قُلْ: فلتسلَمْ، ولتحرُسْكَ الآلهةُ ولتُسلِّمْكَ.
هَهُنا عندنا سلام. ثَمَّ [عنـ]ـدَ ابني <هل> سلام؟ رُدَّ بكلمةٍ < لأطمئنَّ>.
<بخصوصِ> ألواحِ الأكلِ[*] <التي> أرسلَـ<ـها> ابني: عندي وفرةٌ وخيرٌ كثيرٌ.
فليُجهِّزْ ابني سُفناً <في> اليمِّ لتسيرَ [وتنقُلَ إليه] الأكلَ...

لا نعرفُ شيئاً عن هويَّة الـمُرسِل سوى اسمه، وكلُّ ما كُتِبَ عنه لا يعدو كونه افتراضاتٍ لا دليلَ تقوم عليه. لكنَّ عدداً من الباحثين عدُّوه شخصيةً مرموقةً مرتبطةً بمملكة خاتي، ربمَّا حاكماً محلياً، ويبدو أنه كان مقتدراً وقادراً على تلبية طلبات ملوكٍ مثل ملك أوغاريت، وقد يكون حاكماً لميناءٍ أو مدينةٍ ساحليةٍ لم تتضرَّرْ من نُدرة الغذاء التي أثَّرت على العديد من الممالك. تجدر الإشارة إلى أنَّ اسم هذه الشخصية، أي «فَجَن»، يظهرُ في القسم الأخير من رسالةٍ أخرى مدوَّنةٍ بالأوغاريتية (KTU 2.47 – الشكل 3)، وهي ربَّما تتناول الشأنَ نفسَه، إذ يطلب المُرسِلُ «يدان» من سيِّده ملك أوغاريت تجهيزَ 150 سفينةٍ لغرضٍ ما لا نتبيَّنه في النقش.

وفي رسالةٍ أخرى (KTU 2.76 – الصورة غير متوفرة) من عمورافي نفسه، آخر ملوك أوغاريت، إلى ملك مصر، يشكر عمورافي سيِّدَه الذي خاطبه أيضاً بعبارة «ملك الملوك» على إرسال سفيره «أمَّاي» إلى أوغاريت، ربَّما مُرافِقاً للنجدة الغذائية المصرية:
[إلى الشمسِ، الـملـ]ـكِ العظيمِ، ملكِ الملو[كِ سيِّدي]، قُلْ: رسالةُ عمورافي عبـ[ـدِكَ].
[ها قد] وصلَ «أمَّاي» رسولُ [الشمسِ] الملكِ العظيمِ سيِّدي إلـ[ـيَّ]
[و]الآن أنا عبدُكَ <قدْ> سُرر[تُ] كثيراً [بأخـ]ـبارِ سيِّدي الطيِّب.
الآنَ، الشمسُ سيِّدي <قد> أطعمَـ[ـنا]، الشمسُ، الملكُ العظيمُ، سيِّدي [الطيِّب].
تحظى هذه الرسالة بأهمِّيةٍ كبيرةٍ على الرغم من تهشُّمها، وذلك لكونها تُسلِّط الضوء على العلاقات المتذبذبة التي جمعتْ آنذاك بينَ الممالك الثلاث: أوغاريت وخاتي ومصر؛ إذ يبدو البلاطُ الأوغاريتيُّ خاضعاً بالكامل أمام عظمة الملك المصري، إمَّا لأنَّ الأوضاع في المملكة كانتْ على مستوى عالٍ من الخطورة التي تشفعُ لأوغاريت وتُبرِّر سلوكها أمام خاتي، أو لأنَّ اليأس قد دفع عمورافي – على خُطى جَدِّه الأكبر عميثتامر – إلى المخاطرة بعلاقته مع خاتي وطلب العون من عدوِّها اللدود.
وفي رسالةٍ قد تكون متعلَّقةً بالرسالة السابقة (KTU 2.38 – الشكل 4)، يتوجَّهُ ملك صور، المملكة الكنعانية الساحلية المجاورة، برسالةٍ إلى ملك أوغاريت تحمل أخباراً لا شكَّ في أنها أثلجتْ صدورَ الأوغاريتيين جميعاً، إذ يُبلِّغُه فيها بإنقاذ حمولة السفن الأوغاريتية العائدة من مصرَ محمَّلةً بالحبوب بعد تعرُّضها لعاصفةٍ هوجاءَ على مقربةٍ من ساحل مدينة عكَّا:
لِـمَلكِ أوغاريتَ أخي، قُلْ: رسالةُ ملكِ صور أخيكَ.
فلتسلمْ، ولتحرُسْكَ الآلهةُ ولتُسلِّمْكَ.
هَهُنا عندنا سلامٌ. ثَمَّ عندكَ هل سلامٌ؟ رُدَّ بكلمةٍ <لأطمئنَّ>.
<بشأنِ> سُفنِكَ التي أرسلتَـ<ـها> إلى مصرَ
ها هيَ <الآنَ> في صور، <لقد> واجَهَ رُبَّانُها مطراً عظيماً
والرُّبَّانُ أخذَ كلَّ الحبوبِ من المخازنِ
وأنا، كلَّ الحبوبِ وكلَّ النفوسِ وكلَّ المعدَّاتِ من يدِ الرُبَّانِ <قد> أخذتُ
و<سوفَ> أُرجعـ<ـها> أنا إليهم.
وسفنُكَ <الآنَ> راسيةٌ في عكَّا فارغةً.
وأخي <هَمَّاً> في قلبِه <يجبُ أن> لا يحملْ.

على الرغم من تلقيها بعض المساعدات، إلا أن الطلبات الأوغاريتية لم تلقَ آذاناً صاغيةً من الجميع؛ ففي رسالةٍ من ملك خاتي (KTU 2.39 – الشكل 5)، خاطب الملك الخاتي نظيره الأوغاريتي عمورافي بلغةٍ استعلائيةٍ قاسية، وعبَّر فيها عن رفضه تقديم العون لأوغاريت ونجدتها في محنتها، فالمجاعة لم تدَّخرْ بلادَه أيضاً، وهي مُهدَّدةٌ بخطر الفناء:
رسالةُ الشمسِ إلى عمورافي. قُلْ: الشمسُ بسلامٍ.
عندَ أقدامِ أبي، أبوكَ – عبدُه – قدْ سَكَنَ[13]
لأنه <كانَ> عبدَه ومملوكَه، وسيِّدَه <قد> حَرَسَ
<لذا> بالحبوبِ أبي لمْ يبخلْ <عليه>.
<أمَّا> أنتَ فلمْ تحفظْ عهودَكَ.[14]
الآنَ [...] للشمسِ سيِّدِكَ عَبْدٌ ومملوكٌ أنتَ. الآنَ [...]
للشمسِ سيِّدِكَ لمْ تفِ بعهدِكَ، معي، <مع> الشمسِ سيِّدِكَ.
<طوالَ> سنةٍ <أو> سنتينِ لِمَ لَمْ تأتِ <إليَّ>؟
و<بشأنِ> ألواحِ الأكلِ التي أرسلتَها إلى الشمسِ سيِّدِكَ لأنَّ بلادَكَ لا أكلَ فيها
<فاعلَمْ أنَّ أرضَ> الشمسِ <سوفَ> تُبادُ إنْ أكْلاً [لكم] أعطيتُ...

لم يُخفِ ملك خاتي في هذه الرسالة أنَّ مملكته تواجه أزمةً حقيقيةً، حالها حال أوغاريت، ولم يستحِ من الإفصاح عن خشيته من مآلات هذا المأزق أمام عمورافي، وإن كان يُخاطبُه مخاطبةَ عاملٍ له على ولايةٍ خاتية؛ فملكُ أوغاريت قدْ أخلَّ ببعض التزاماته تجاهَ خاتي، مثل عزوفه عن زيارة ملكها في قصره لتقديم فروض الولاء والطاعة له. لكنَّ ملكَ خاتي لم يكتفِ بذكر هذا التقصير ذريعةً لامتناعه عن تقديم المساعدة لأوغاريت، فالمجاعةُ قد ضربتْ بلادَه أيضاً، وتقديمُ مساعدةٍ كهذه سيكون ضرباً من الجنون أو مقامرةً قد تودي بمملكته بأسرها، وهو ما عبَّرَ عنه صراحةً في قولِه: «أرضُ الشمسِ سوفَ تُبادُ».
ونظراً إلى العلاقة المتوتِّرة بين مملكتَيْ مصرَ وخاتي، ذهب بعض الباحثين إلى أنَّ رسالة عمورافي إلى ملك مصر، التي تقدَّم ذكرها، ربَّما كانتْ بإيعازٍ من ملك خاتي الذي لم يَعُدْ آنذاك يجد مضاضةً في طلب العون من عدوِّه المصريِّ بوساطةٍ من البلاط الأوغاريتي، حتَّى ولو أدَّى ذلك إلى تعزيز نفوذ مصرَ في أوغاريت على حساب نفوذ مملكته. على أية حال، لم يعد ادِّعاء خضوع أوغاريت الكامل لخاتي مقبولاً بالنسبة إليَّ، ويبدو أنَّ العلاقة الأوغاريتية-الخاتية-المصرية كانت أعقد ممَّا كنَّا نحسب.
أزمة عابرة للطبقات
لم يكن الجوع الذي حلَّ في البلاد حكراً على فقرائها فحسب، فندرة الغذاء اجتاحت البيوتَ جميعَها، وشُحُّ الأقوات طال جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، بما فيها طبقةُ النبلاء وأثرياء المملكة الذين ما فتئوا يرسلون الرُّسُل إلى حلفائهم وأصدقائهم طلباً للغوث، كما في الرسالة (KTU 2.1 – الشكل 6) التي وصلَتْنا في حالةٍ رديئةٍ تُصعِّب مهمَّةَ قراءتها وترجمتها، لكننا نفهم أنَّ مُرسِلَها يردُّ على طلبٍ سابقٍ للمؤونة من أحدهم، ويعِدُه فيها بإرسال الطعام حين وصوله أو وصول رُسُله.

وفي رقيمٍ آخرَ أكثر أهمِّيةً ووضوحاً (KTU 2.104 – الصورة غير متوفرة)، تُوجِّهُ السيِّدةُ «عثتايا» رسالةً إلى أخيها النبيلِ الأوغاريتيِّ «أورتين» الذي يُعتقدُ أنه شغل منصباً رفيعاً في البلاط الملكي، تُبلِّغُه فيها بانقطاع الزاد عن بيته في غيابه، وتذكرُ شيئاً عن مؤونة قصر الملك، إلا أنَّ الرقيمَ مُشوَّهٌ في هذا الموضع:
إلى أورتينَ أخي، قُلْ: رسالةُ عثتايا أُختِكَ. فلتُسلِّمْكَ الآلهةُ ولتحرُسْكَ.
<منذُ> ثلاثةِ أيَّامٍ لا أكلَ في بيتِكَ ولا [...]
... مؤونةُ قصرِ الملكِ، والآنَ <قد جاء> مرَّتينِ يحملُ ويطلبُ
[...] يحملُ ألواحاً <يطلبُ فيها؟> الزيتَ[...]
تكتسي هذه الرسالة أهمِّيةً كبيرةً نظراً إلى أنَّ أورتين هو من بين الشخصيات الأوغاريتية النادرة التي نعرف عنها الكثير، ويرجع ذلك إلى اكتشاف منزله في القطاع الجنوبيِّ من مدينة أوغاريت، وهو بيتٌ واسعٌ يحتوي العديدَ من المقتنيات الثمينة التي تدلُّ على ثرائه ومكانته الرفيعة، تشملُ عربةً عسكريةً فخمة، والعديدَ من الأواني الفخَّارية المستوردة من الممالك المتوسِّطية مثل قبرص، فضلاً عن احتواء البيت على مدفنٍ خاصٍّ تحت الطابق الأرضي، ومكتبةٍ عظيمةٍ عُثِرَ فيها على مئات الرُّقُم الأوغاريتية والأكَّادية التي تشمل نصوصاً دينيةً وشؤوناً ملكيةً ومراسلاتٍ ديبلوماسيةً ورسائلَ أخرى تجاريةً أو شخصية، من بينها هذه الرسالة.[15] ويبدو أنَّ المجاعةَ قد بلغتْ مبلغاً عظيماً في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ المملكة، فجاعتْ بيوتٌ ثريةٌ مثل بيت أورتين، ويبدو أنها أصبحتْ مقصداً لجُباة أو جنود الملك للاستحواذ على ما بقي فيها من أقوات.
وفي رسالةٍ أخرى موجَّهةٍ إلى نبيلٍ آخرَ يُدعى «يِدَرْم» (KTU 2.70 – الشكل 7)، يطلبُ الـمُرسِلان من سيِّدهما أن يُزوِّدَهما ويُزوِّدَ بيتَيهما بالطعام ريثما يصلان بسلامٍ من مكانٍ ما لا تُوضِّحه الرسالة:
إلى يِدَرْمَ سيِّدِنا، قُلْ: رسالةُ فِنحاثَ ويرمِهادَ عبدَيكَ:
كلمةُ السلامِ لسيِّدنا، فلتُسلِّمْكَ الآلهةُ ولتحرُسْكَ.
لقدمِ سيِّدنا مرَّتينِ، <بل> سبعَ مرَّاتٍ، من بعيدٍ سجدنا.
...
وعبداكَ الاثنانِ معكَ هناكَ. فلتُعطِ أكلاً لهما، ولتسألْ <عن أحوالِ> بيتَيْ عبدَيكَ
وعندما يصلُ عبداكَ بسلامٍ إليكَ، سنصنعُ ثوباً لسيِّدنا <بقيمةِ> كلِّ ما يملكُه عبداكَ.

تجدر الإشارة إلى أنَّ الثوب المذكور في هذه الرسالة هو ثوبٌ خاصٌّ يُسمَّى في اللغة الأوغاريتية «خُفَّان»، وكان سلعةً ثمينةً تُصنَع من أفخر أنواع الأقمشة، وقد ورَدَ ذِكرُها في الكثير من الألواح الأوغاريتية،[16] كما كان الأوغاريتيون يستخدمونه لتزيين تماثيل آلهتهم. كلُّ ذلك يشيرُ إلى أنَّ أثمان الغذاء قد بلغتْ مستوياتٍ قياسيةً آنذاك، إذ أصبحتْ تُعادلُ أفخمَ السلع التجارية وأغلاها ثمناً.
خاتمة
تشير هذه الألواح التي عُثر عليها في أوغاريت، إلى جانب النقوش المكتشفة في الممالك المجاورة والإشارات والقصص التوراتية، إلى أنَّ المجاعات التي اجتاحت ممالك الشرق الأدنى نهاية العصر البرونزي قد جسَّدت أزمةً طاحنةً، ربَّما تسبَّبت بها – أو فاقمتها – الهجمات التي تعرضت لها المدن الساحلية من «شعوب البحر»، والتي أدَّت إلى تدمير البنى التحتية الزراعية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية.
لم تكن مملكة أوغاريت وحيدةً في وجه المجاعة؛ فقد لجأت إلى طلب العون من القوى الإقليمية الكبرى، مثل مصر وخاتي، فضلاً عن الممالك الصغيرة المجاورة، وتلقَّت من بعضها مساعدات مباشرة، على غرار المساعدة المصرية والمعونة الغذائية التي قدَّمها «فجن»؛ وأخرى غير مباشرة، على غرار مساعدة مملكة صور لأوغاريت في استعادة حمولة سفنها. وقد كشفت طبيعة المراسلات بين هذه الممالك عن علاقاتٍ معقَّدةٍ وتحالفاتٍ مرنةٍ تشكَّلت تحت وطأة الأزمة في محاولةٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن على الرغم من جميع المحاولات، لم تكن هذه المجاعة مجرَّد أزمةٍ عابرة، إذ ساهمت مباشرةً في سقوط أوغاريت وزوالها، وشكَّلت أحد أسباب انهيارٍ النظام الدولي في العصر البرونزي المتأخِّر؛ إذ لم تُعانِ أوغاريت وحدها من آثار المجاعة، بل عانتْ كذلك الممالك الكبرى التي ربَّما كانت لتمدَّ إليها يدَ المساعدة لو كانتْ ظروفها أفضل، وأبرزها إمبراطورية خاتي التي سقطتْ واندثرتْ بدورها في غضون سنواتٍ قليلةٍ من دمار أوغاريت وسُقوط مُلْكها.
على كلِّ حال، لم تكن المجاعة وحدها سببَ سقوط أوغاريت، فكما أشرتُ في البداية، كانت المملكة تتعرَّض لهجماتٍ دُمِّرت جرَّاءها مدنٌ وقرى، وقد فقدت العديدَ من جنودها وسكَّانها في هذه الهجمات لا ريب، ناهيك عن الصراع الجيوسياسيِّ بين مملكتَيْ مصرَ وخاتي الذي أنهك ممالك المدن الصغيرة بينهما. فكيف لمملكةٍ صغيرةٍ، مثل أوغاريت، أن تنجو من هذه الكوارث المتزامنة كلِّها في وقتٍ يعاني فيه اقتصادها، وترزحُ بين فكِّي إمبراطوريتين قويَّتين متصارعتين، ويكاد سُكَّانها – بمن فيهم أثرياؤها – لا يجدون ما يسدُّون به رمقَهم؟
[1] مثل النقوش RS 94.2002+2003 وRS 34.152 من أوغاريت، أو KUB 21.38 وKUB 3.34 من خاتي.
[2] التكوين 12: 10.
[3] التكوين 26: 1.
[4] التكوين 47: 4.
[5] Divon, Shai. (2008). A Survey of the Textual Evidence for ‘Food Shortage’ from the Late Hittite Empire.
[6] جميع النصوص الأوغاريتية الواردة في هذا البحث هي من ترجمتي عن الأوغاريتية مباشرة، وهي النصوص ذات الرموز التالية بحسب ترتيب ورودها في تصنيف KTU للألواح المدوَّنة بالأبجدية الأوغاريتية: KTU 2.1 – 2.38 – 2.39 – 2.46 – 2.47 – 2.61 – 2.70 – 2.76 – 2.81 – 2.104
[7] يستخدم النقش تعبير «بن خرن»، وهو غريب بعض الشيء ولم يرد إلا مرة واحدة في النصوص الأوغاريتية. يمكن أن يكون اسماً «ابن خَرَّان»، إذ نجد في نقش آخر الاسم «خرَّانيّ»، أي المنسوب إلى «خرَّان»، على غرار الحمصيّ مثلاً؛ كما يمكننا ترجمته اعتماداً على الأكادية، وفيها تحمل كلمة «خَرَّان» معنى الطريق أو القافلة، فيكون المعنى الحرفي هو «ابن الطريق»، أي شيئاً من قبيل قاطع الطريق. تجدر الإشارة إلى أن القاموس الأوغاريتي يورد ترجمات متنوعة لهذه الكلمة الواردة في هذا السطر بالذات، منها العصابة والكتيبة والطريق والقافلة والرسول (انظر: del, Olmo Lete Gregorio, and Joaquín Sanmartín. A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition. Third Revised Editioned. Leiden: Brill, 2015, pp. 400.)
[8] استخدم النقش كلمة «أكل»، وهي في الأوغاريتية، كما في العربية، تعني الطعام، لكنها قد تحمل أيضاً معاني محددة مثل القمح.
[9] استخدم النقش كلمة «جرنت»، وهي صيغة الجمع الأوغاريتية المؤنثة «جرنات» للكلمة «جرن» التي تعني كما في العربية موضع جمع الحنطة لطحنها. جاء في لسان العرب: «الجَرينُ موضع البَيْدر بلغة اليمن… والجَرينُ: الطِّحْنُ»، وجاء في القاموس المحيط: «الجَرِيْنُ: البَيْدَرُ، والجَميعُ الجُرْنُ والجَرائِنُ؛ والأَجْرَانُ أيضاً؛ الواحِدُ جَرَنٌ. والجَرِيْنُ: ما طَحَنَتْه الرَّحى ودَقَّتْه. والجَرْنُ: السَّحْقُ».
[10] انظر النقش المدوَّن بالأكادية: RSO 23:33–35, no. 12.
[11] Yurco, Frank J. “End of the Late Bronze Age and Other Crisis Periods: A Volcanic Cause”. In Teeter, Emily; Larson John (eds.). Gold of Praise: Studies on Ancient Egypt in Honor of Edward F. Wente. Studies in Ancient Oriental Civilization. Vol. 58. Chicago, IL: Oriental Institute of the Univ. of Chicago, (1999), pp. 456–458.
[12] سبق أن نشرتُ ترجمتي لمقدمة وديباجة هذا الرسالة عبر الإنترنت قبل أعوام، وقد أشرتُ آنذاك إلى أن مملكة أوغاريت حكمها ملكان حملا اسم عَميثْتَمْر، الأول منهما انتهى حكمه نحو عام 1350 ق.م، وبالتالي يكون الملك المصري المخاطَب في هذه الرسالة إمَّا أمنحوتب الثالث، أو خلفه أخناتون. أما عَميثْتَمْر الثاني فقد حكم بين نحو عامي 1260 و1235 ق.م، وبالتالي يكون الملك المصري المعني هو رمسيس الثاني، أطول ملوك مصر حُكماً، إذ امتدَّ مُلكه بين عامي 1279 و1213 ق.م.، وعاصر عدداً من ملوك أوغاريت، بدءاً من نقماد الثاني، ثم أرخلبا، ثم نقمفع، ثم عَميثْتَمْر الثاني، ثم إبيران، وأخيراً نقماد الثالث.
[*] ورد هذا التعبير في عدد من النقوش الأوغاريتية في صيغة «لحت أكل = لوحات/ألواح الأكل»، ويُقصد به الرسائل والألواح التي تتناول مسألة طلب الغذاء. وقد ارتأيت الإبقاء على التعبير كما هو في الترجمة العربية (ألواح الأكل) نظراً إلى التطابق في لفظ ومعنى العبارة في كلتا اللغتين.
[13] يقصد ملك خاتي بعبارتي «سيِّد الشمس» و«سيِّدي» أباه ملك خاتي السابق، وبعبارة «سيِّدُكَ عبدُه» يقصد أبا عمورافي، نقماد الثالث، الملك الأوغاريتي السابق. أي أنه يُذكِّر عمورافي بأن والده كان أكثر إخلاصاً للبلاط الخاتي، لذلك لم يبخل عليه البلاط في تقديم العون، بخلاف ولده الملك الجديد.
[14] تقول العبارة الأوغاريتية: «يَدَعَ لا يَدَعْتَ»، وتعني حرفياً: معرفةً لم تعرفْ. تعني هذه العبارة أن الملك الأوغاريتي لم يكن وفياً لالتزاماته تجاه خاتي. تجدر الإشارة إلى أن مفهوم العبارة الأوغاريتية يتشابه مع مفهوم العُرْف والأعراف في اللغة العربية، أي أن عمورافي لم يلتزم بالأعراف التي تحكم العلاقة بين المملكتين.
[15] للاستزادة حول أورتين ومنزله، انظر: Calvet, Y. “The House of Urtenu.” Near Eastern Archaeology, 63 (4), (2000), pp. 210–213.
[16] يرد ذكر هذا الثوب في العديد من النقوش التجارية في أوغاريت (انظر على سبيل المثال: KTU 4.156 وKTU 4.4 وKTU 4.182)، ويبدو أن صناعته كانت حرفةً أوغاريتيةً خاصة، إذ كان يُصنع من الأقمشة الأرجوانية الثمينة التي اشتُهرت بها أوغاريت وبلاد كنعان بشكل عام، وكانت هذه الأثواب تزيِّن تماثيل الآلهة في أوغاريت (انظر: KTU 4.168).

