مقدَّمة
عندما كنا أطفالاً، كانت جدَّتي في المناسبات الدينية تروي للصغار منا شيئاً من القصص التي حفظتها في طفولتها، وكانت قصَّة وفاة النبيِّ موسى إحدى القصص التي كرَّرتها على مسامعي أكثر من مرَّة، وفيها جاء ملك الموت إلى النبيِّ ليقبض روحه، فأبى موسى أن يستسلم لحتفه ويسلِّم نفسه. وبعد جدال، تكلَّم الله مع موسى وطلب منه وضع يده على البعير، ثمَّ أخبره أنه سيعيش سنواتٍ بعدد الوبر الذي غطَّته كفُّه. فسأله موسى: ثمَّ ماذا سيحصل؟ أجابه الله: ستموت. حينئذٍ رضخ النبيُّ لأمر ربِّه ورضي بحكمه، فمات من فوره.
بعد بحث في المرويات الإسلامية، وجدت القصَّة التي كانت ترويها جدَّتي في حديثٍ أقرَّه الإمام أحمد، يقول:
قال الإمام أحمد: حدَّثنا الحسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أبو يونس، يعني سليم بن جبير، عن أبي هريرة... قال: جاء ملك الموت إلى موسى، عليه السلام، فقال: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت، ففقأها، فرجع الملك إلى الله، فقال: إنك بعثتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت. قال: وقد فقأ عيني، قال: فردَّ الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدكَ من شعره فإنك تعيش بها سنةً، قال: ثمَّ مه؟ قال: ثمَّ الموت، قال: فالآن يا ربُّ، من قريب.[1]
مرَّت سنواتٌ طويلةٌ قبل أن أقرأ هذه القصَّة بتنويعاتٍ فريدةٍ وروايةٍ أطول، إذ يبدو أنَّها قد حظيت باهتمامٍ كبيرٍ من الحكماء اليهود، فأوردوها في عددٍ من المدراشات المختلفة التي يورد بعضها تفاصيلَ لا نجدها في بعضها الآخر، إلا أن جميعها يتَّفق على رفض موسى تسليم روحه لملك الموت، وعلى الجدال الذي دار بينهما قبل رضوخ النبيِّ للأمر الإلهي. فيما يلي، أُقدِّم ترجمتي إلى العربية لقصَّتين من هذه القصص المدراشية، الأولى من مدراش «فطيرت مُشِهْ رَبِّينو»،[2]وهي تركِّز على الصراع الذي وقع بين موسى وملاك الموت؛ والثانية من مدراش «تنحوما»،[3]وهي تركِّز على الجدال الذي دار بين الله ونبيِّه الكليم.
مدراش وفاة سيِّدنا موسى عليه السلام: 5
מדרש פטירת משה רבינו ע״ה: 5
قال القدُّوس مباركٌ هو لجبريل: «اخرجْ وأحضرْ لي نسمة* موسى»، قال جبريل: «ربَّنا ربَّ العالمين، من كان ثقيلاً كستمئة ألف،[4] كيف أقدر أن أحضر روحه وأن أرى ميتته؟». فقال لميكائيل: «اذهبْ أنتَ». فأجابه بالمثل. فقال لسنجزئيل أمير العالم:[5] «اذهبْ وأحضرْ لي نسمة موسى». قال سنجزئيل: «ربَّنا [ربَّ] العالم، كنتُ معلِّماً له بمشيئتكَ، وهو تلميذي، لا قدرة لي على رؤية ميتته». فقال [الله] لسمَّئيل:[6] «اذهبْ وأحضرْ لي نسمة موسى». وعلى الفور سُرَّ الشرير سروراً عظيماً، ولبس لباس غضبه وسخطه، وتمنطق سيفه واعتطف [بمعطف] القسوة وانطلق نحو موسى.
وعندما رأى موسى يكتب اسم [الله] الصريح، ووجهه منيرٌ يشبه الشمس، وهو يشبه ملاك ربِّ الجنود. قال في قلبه: «حقاً ما قاله الملائكة الأوَّلون بأنهم لا يقدرون على إحضار نسمة موسى». وعندما رأى سمَّئيل موسى أظلمت عيناه من ضياء عيني موسى، وعندما رأى موسى سمَّئيل واقفاً أمامه، قال له موسى: «سمَّئيل، سمَّئيل! لا سلام عليك من إلهي ولكلِّ الأشرار الذين مثلكَ، لمَ تقف أمامي؟ اخرج من أمامي، إن لم تفعل سأقطع رأسكَ!». فأخذت الرعشة بسمَّئيل وارتعد كامرأةٍ ساعةَ الولادة، وقال لموسى بهدوء: «لِمَ هذا الغضب يا سيِّدي؟ أعطِني نفسكَ». قاله له موسى: «بإذن من؟»، قال سمَّئيل: «بإذن من أرسلني، وهو ملك ملوك الملوك الذي برأكَ وبرأ البرِيَّة». قال له موسى: «حاشَ لله أن تكون من خلق القدُّوس مباركٌ هو وأعطيكَ نسمتي!». قال سمَّئيل: «كذا أرواح الكلِّ في هذا العالم مسلَّمةٌ إلى يديَّ منذ اليوم السادس في البدء». قال له موسى: «ألستُ أعظم من بني العالم، ولي نصيبٌ من حقيقة القدُّوس مباركٌ هو أكثر منكَ ومن كلِّ أرواح العالم؟». قال سمَّئيل: «وما قوَّتكَ؟»، قال موسى: «ألم تعرف أني ابن عمران الذي خرجتُ مختوناً من بطن أمِّي، فلم تمسسْني سكِّين الوصية ولم يحتج أبي إلى أن يختنني؟ وأنِّي الذي أنزلتُ على فرعون وعلى مصر عشر ضرباتٍ وأخرجت بني إسرائيل من بينهم؟ وأنِّي الذي شققتُ البحر وأغرقتُ المصريين فيه؟ ألستَ أنتَ من أخذ أرواحهم؟ وأنا الذي جعلتُ الماء المرَّ حلواً. وأنا الذي عرجت إلى السماء وتكلَّمتُ مع يهوه وجهاً لوجه. وأنا الذي قبلتُ التوراة من يمين القدُّوس مباركٌ هو، وكم من آيةٍ ومعجزةٍ صنعتُ! وأنا الذي خضتُ الحرب مع سيحون وعوج جبَّارَي العالم اللَّذَين وُلدا ساعة الطوفان، ولم يبلغ الماء كاحليهما من فرط طولهما، وأقمتُ في حربهما الشمس والقمر في أعالي العالم، وضربتُهما بعصاي التي بيدي وقتلتُهما. وعندما وُلِدتُ مشيتُ على رجليَّ ابن ثلاثة أيَّام، وفتح [الله] فمي وتكلَّمت مع أبي وأمِّي، وحتَّى حليب أمِّي لم أرضعْ إلا بأجْرٍ، [وعندما بلغتُ] ثلاثة أشهر مُنِحتُ الفهمَ وقلتُ إنني مقبلٌ على قبول التوراة من يمين القدُّوس مباركٌ هو، و[عندما بلغتُ] ستَّة أشهر دخلتُ قصر فرعون ونزعتُ التاج من على رأسه لأرمز إلى ما أنا مُقبِلٌ على فعله له. وقد أخرجتُ من تحت يده ستَّمئة ألفٍ أمام أعين كلِّ المصريين، وضربتُ أمير مصر بعصاي، وشققتُ يم يوسف إلى اثني عشر سبيلاً، ونحَتُّ بيديَّ لوحين من الصخر قد كتب القدُّوس مباركٌ هو الوصايا العشر فيهما، وعرجتُ إلى السماء، ومكثتُ تحت كرسيِّ المجد أربعين يوماً وأربعين ليلةً ثلاث مرَّات، أي مئة وعشرين يوماً ومئة وعشرين ليلة، لم آكل خبزاً ولم أشرب ماءً كمَثَل الملائكة الخدَّام، وكساني جناحا السكينة، وكشفتُ [أسرار] القوى لبني آدم، وقبلتُ التوراة من القدُّوس مباركٌ هو، وكتبتُ من فمه ستمئة وثلاث عشرة وصيَّة. وأنتَ أيُّها الشريِّر، من أين لكَ القوَّة لتأخذ روحي الطاهرة التي وضعها في جوفي سيِّد الأرواح كلِّها بقداسةٍ وطهارة؟ اذهب عني! لا سلطة لكَ لكي تجلس في المقام الذي أجلس فيه، ولا سلطة لكَ لتقف في المقام الذي أقف فيه، ولا سلطة لكَ لتتكلَّم في مقامي. اغربْ عني فإني لن أسلِّمكَ نسمتي».
عندما سمع ملاك الموت – هو سمَّئيل – هذا الكلام من فم موسى، تعجَّب عجباً عظيماً وذُهل، ورجع سمَّئيل ليُحدِّث الجبَّار بما سمع، وعلى الفور غضب عليه القدُّوس مباركٌ هو وقال له: «اخرجْ وأحضرْ لي نسمة موسى، وإن لم تفعل سأوبِّخكَ وأُبطل ملائكيَّتكَ وأسلِّمها [لملائكةٍ] آخرين». قال سمَّئيل للقدوس مبارَكٌ هو: «[يا] عظيم التدابير، إنْ تطلبْ مني أن أذهب إلى جهنَّم لأجعل عاليها سافلها وأُنزل ما في العلياء إلى الهاوية و[أُصعد] ما في الهاوية إلى العلياء لفعلتُ ذلك في لحظةٍ واحدةٍ ولرجعتُ دون أن أؤخِّر كلامكَ، أمَّا ابن عمران، فلا قدرة لي لأقف أمامه». قال له القدُّوس مباركٌ هو:« لمَ؟»، قال سمَّئيل: «لأنه يشبه أمراء المركبة العظيمة التي لكَ، وشررٌ وبرقٌ ونارٌ تخرج من فمه عندما يكلِّمني كما تخرج من أفواه ملائكة السرفيم الواقفين لحمد وتسبيح وتكريم وإعلاء وتعظيم اسم مجدكَ، ووجهه مشرقٌ كإشراق سكينتك. أرجوكَ ألَّا ترسلني إليه لأني لا أقدر عليه». وعلى الفور غضب عليه القدُّوس مباركٌ هو وقال له: «اخرجْ وأحضرْ نسمة موسى». وعندما خرج قال له القدُّوس مباركٌ هو: «من جهنَّم بُرئتَ وإلى جهنَّم سترجع! في البداية خرجتَ من أمامي بسرورٍ عظيمٍ لتقبض روح موسى، وحين رأيتَ تسبيحه وعظمته أصبحت تقول: "لستُ قادراً على الوقوف أمامه"؟ إني لأعرف أنكَ إن لم تقبض روح موسى سترجع إليَّ بخزيٍ وعار».
وفي الحال، استلَّ سمَّئيل سيفه بسخطٍ ووقف أمام موسى بغضبٍ وقال في قلبه: «أقتله أو يقتلني!» وحينما رآه موسى وقف بغيظٍ وحمل عصا الله التي نُقش عليها اسم الله الصريح، وجعر به، فركض [سمَّئيل] من أمامه وركض [موسى] وراءه حتى أمسكه وضربه وأخرج قرن حمده وعوَر عينيه، وأذلَّه بالخزي والعار. وكاد موسى أن يقتله، لكنَّ صوتاً سُمع في تلك الساعة يقول لموسى: «لا تقتلْه! فبنو آدم يحتاجون إليه». فُفتح فم موسى وقال للقدوس مبارَكٌ هو: «ربَّنا [ربَّ] العالم، اذكرْ ذلك اليوم الذي قلتَ لي فيه "اذهب لأرسلكَ إلى فرعون"، اذكر ذلك اليوم الذي صعدتُ فيه إلى جبل سيناء ووقفتُ أمامكَ أربعين يوماً وأربعين ليلةً، لم آكلْ فيها خبزاً ولا شربتُ ماءً حتى قبلتُ التوراة من يديكَ، ثمَّ أرسلتَني إلى شعبكَ إسرائيل. أرجوكَ ألَّا تسلِّمني إلى يد ملاك الموت. هأنذا بين يديكَ، فافعلْ بعبدكَ ما يطيب في عينيكَ». قال القدُّوس مباركٌ هو: «لا تخفْ، أنا بنفسي سأعتني بكَ وأقبركَ». فوقف موسى من فوره وصلَّى، ثمَّ خرَّ على وجهه، وقال: «بالحنان يا ربَّ العالم، بمقاييس الرحمة قد برأتَ عالمكَ، وبمقاييس الرحمة تقود عالمكَ، فقُدْني بمقاييس الرحمة أيضاً». فسُمع صوتٌ يقول: «يا موسى، يا موسى! لا تخفْ! فقد سار أمامكَ عدلكَ ومجد الله يتبعكَ».
في تلك الساعة نزلت السكينة[7] ومعها ثلاثة ملائكة، جبريل وميكائيل وسنجزئيل. أخذ ميكائيل عصا موسى، وفرش جبريل تحت رأسه قماشاً أرجوانياً، وكذا فعل له سنجزئيل تحت رجليه، وتجلَّى القدُّوس مباركٌ هو وقال لموسى: «أغمضْ عينيكَ»، ففعل. ثمَّ قال له: «أرِحْ يديكَ الواحدة فوق الأخرى»، ففعل. ثمَّ وضع رجليه الواحدة فوق الأخرى، وفي لحظةٍ [واحدةٍ] قبَّلَ القدُّوس مباركٌ هو وجهَ موسى، فخرجتْ روحه بقُبلة... وكان الملائكة يبكون عليه ويؤبِّنونه ويقولون: «أمَّا الحكمةُ فمِنْ أين توجَدُ، وأين هو مكانُ الفهمِ؟»،[8] والقدُّوس مباركٌ هو يقول: «مَنْ يَقُومُ لِي عَلَى الْمُسِيئِينَ؟»،[9] والسماوات تندب عليه وتؤبِّنه وتقول: «باد التقيُّ من الأرضِ»،[10] والأرض تبكي وترثيه وتقول: «مات فيَّ صدِّيقٌ ومستقيم»، والشمس والقمر يبكيان ويرثيانه ويقولان: «افهموا أيُّها البلداءُ في الشعبِ»،[11] والنجوم والكواكب تبكي وترثيه وتقول: «يا جهلاءُ متى تعقلونَ؟».[12] مراتب البدء كانت تبكي وترثيه وتقول: «بادَ الصدِّيقُ».[13] والروح القدس تبكي وتقول: «وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى».[14] وعندما بحث يهوشع عن سيِّده موسى ولم يجده، شرع يبكي ويقول: «آهِ يا ربُّ، خلِّصْ. آهِ يا ربُّ، أنقذْ»،[15] فبكى [بنو] إسرائيل ورثوه وقالوا: «فَأَتَى رَأْسًا لِلشَّعْبِ».[16] وملائكة السماء يندبونه ويقولون: «يعمل حق الرب وأحكامه مع إسرائيل».[17]
ولم يكن ملاك الموت قد عرف بموت موسى، وكان خائفاً من سخط القدُّوس مباركٌ هو، فذهب إلى مقام موسى وبحث عنه فلم يجده، فذهب صوب الأرض وقال: «أين موسى بن عمران؟»، قالت له الأرض: «لا أعرف أين ذهب». فذهب صوب اليم وقال له: «أرأيتَ ابن عمران؟»، قال له اليم: «من يوم ضربني وشق فيَّ اثنتي عشرة جزيرة وعبر فيَّ مع بني إسرائيل لم أره بعدُ». ذهب صوب جهنَّم فقالت له جهنَّم: «سمعتُ عنه بأذني ولم أره». ذهب صوب الهاوية والهلاك وطين الحمأة[18] وقال لهم: «أرأيتم ابن عمران؟»، قالوا له: «نعرف اسمه لأننا سمعنا عنه من فرعون ملك مصر، لكننا لم نره»، إذ قيل [في التوراة]: «الغمر يقول: ليست هي فيَّ، والبحر يقول: ليست هي عندي»...[19] ذهب إلى الغمر[20]، فقُلنَ له: «ما رأيناه، بل سمعنا عنه سمعاً». فجاء إلى بني قورح[21] الواقفين في الغمر وقال لهم: «أرأيتم ابن عمران؟»، قالوا له: «لم نجده من يوم انفتحت الأرض وبلعتنا بسببه». ذهب صوب السماوات وقال لها: «أرأيتن ابن عمران؟»، قلن له: «لم نره من يوم عرج إلينا بكلمة يهوه ليقبل التوراة». ذهب صوب جنَّة عدن، وحين رآه الملائكة الموكلون بجنَّة عدنٍ دفعوه وقالوا له: «لا تدخل جنَّة عدن!». فما فعل؟ نشر جناحيه فوق بوَّابات جنَّة عدنٍ وارتفع أربعة آلاف فرسخ، ثمَّ هبط إلى وسط جنَّة عدن. قال لها: «أترين موسى؟»، قالت له: «لم أره بعد أن جاء إليَّ مع جبريل ليرى ثواب الصدِّيقين». ذهب صوب شجرة الحياة، وعندما رأته الشجرة قد اقترب مسافة ثلاثمئة فرسخ صاحت به وقالت: «لا تقربني!». قال ملاك الموت لشجرة الحياة: «هل رأيتِ ابن عمران؟»، قالت له: «من يوم جاء إليَّ وأخذ العصا لم أره بعدُ». ذهب صوب شجرة المعرفة وقال لها: «أرأيتِ ابن عمران؟»، قالت له: «لم أره من يوم أخذ مني قرطاساً ليكتب به التوراة». ذهب صوب الجبال فقالت له: «من يوم كسر منا الألواح لم نره». ذهب صوب الصحارى فقالت له: «لم أره منذ أن قاد بني إسرائيل كالغنم». ذهب صوب جبل سيناء، فقال له: «لم أره منذ أن قبل التوراة عليَّ من يمين القدُّوس مباركٌ هو». ذهب صوب البهائم والحيَّات، قال لهم: «أرأيتم ابن عمران؟»، قالوا: «لم نره منذ أن فرَّق بين الطاهر والنجس منا». ذهب صوب الملاك الموكّل بالأرواح، وسأله: «هل رأيتَ ابن عمران؟»، قال له: «سمعتهم يرثونه في الأعالي». ذهب صوت الملائكة وقال لهم: «أرأيتم ابن عمران؟»، قالوا له: «ذهب صوب بني آدم». ذهب صوب بني آدم وقال لهم: «هل موسى هنا؟»، فقالوا له: «وهل موسى من بني آدم؟ بل هو من الملائكة الخُدَّام، إذ عرج إلى الأعالي وسكن في العلاء كالملائكة الخُدَّام، وأُضيف [إلى] الروح بحفنتيه كالملائكة الخُدَّام. والقدُّوس مباركٌ هو أضافه إلى مقام قداسته».
يستمدُّ هذا المدراش مادَّته بشكل رئيسٍ من مدراش أسبق هو مدراش «دبريم ربَّا»، وهو مدراش أوسع وأكبر بكثير، لكن الفقرات التي تتناول هذه القصَّة وردت مختصرةً فيه، الأمر الذي دفعني إلى اختيار ترجمة مدراش «فطيرت مُشِهْ ربينو» بدلاً من «دبريم ربَّا». ومع ذلك، يتضمَّن الأخير فقرة إضافية أغفلها المدراش الذي قدَّمتُ ترجمته أعلاه، وفيها يتواصل الجدل ويمتدُّ ليشمل روح موسى التي أبت أن تفارق جسده. وفيما يلي ترجمتها:
مدراش دبريم ربَّا 11: 10
מדרש דברים רבה 11: 10
في تلك الساعة، نادى القدوُّس مباركٌ هو النسمة داخل جسده. قال لها: «ابنتي! مئة وعشرين سنة جعلتكِ في جوف موسى. الآن حان وقتُ خروجكِ. اخرجي، لا تتأخري!». قالت له: «ربَّنا [ربَّ] العالم، إنني عارفةٌ أنك إله كل الأرواح وكل النفوس، نفوسُ الأحياء والأموات مسلَّمةٌ ليدكَ، وأنت برأتَني، وأنت صوَّرتَني، وأنت جعلتَني في جوف موسى مئة وعشرين سنة. والآن، هل ثمة جوف طهور في العالم أكثر من جوف موسى؟… لهذا أنا أحبُّه، ولست راغبةً في الخروج منه». قال لها القدُّوس مباركٌ هو: «[أيَّتها] النسمة، اخرجي، لا تتأخَّري. وأنا سأرفع إياكِ إلى سماء السماوات العليا، وأنا سأُجلسكِ تحت كرسي مجدي، أمام [ملائكة] الكروبيم والسرفيم والجنود». قالت له: «ربَّنا [ربَّ] العالم، من عند سكينتكَ، من الأعالي، نزل الملاكان عزا وعزائيل، واشتهيا بنات الأرض، وأفسدا طريقهما في الأرض، حتى علَّقتَهما بين السماء والأرض. أمَّا ابن عمران، فمن يوم تجلَّيتَ له في سيناء لم يقرب امرأته… أتوسَّل إليكَ أن تتركني في جوف موسى!». في تلك الساعة، قبَّله القدُّوس مباركٌ هو، وأخذ نسمتَهُ بقُبلة فم.
مدراش تنحوما، فصل «وتضرَّعت» 1: 6
מדרש תנחומא (ואתחנן) 1: 6
هذا موسى قد عرج إلى السماء وصعد على السحاب وأصبح كالملائكة الخُدَّام، وتكلَّم معه [الله] وجهاً لوجه، وقَبِلَ التوراة من يد القدُّوس مباركٌ هو. وعندما جاء يوم موته، قال له القدُّوس مباركٌ هو: «ها قد اقتربت أيَّامكَ من الموت»... فقال [موسى]: «ربَّنا [ربَّ] العالم، في الكلام الذي سبَّحتك به وقلت: "هوذا للربِّ إلهكَ السماواتُ...إلخ"،[22] وأنت بلسانٍ واحدٍ حكمتَ عليَّ بميتةٍ، فتقول: "ها قد اقتربت أيَّامك من الموت"». قال له [الله]: «يا موسى! لقد حكمتُ بميتةٍ قبلكَ على آدم الأوَّل». قال له [موسى]: «ربِّي، كان آدم الأوَّل لائقاً بالموت، لأنكَ أوصيتَه وصيَّةً صغيرةً وانتهكها، لهذا فهو لائقٌ بالموت». قال [الله] له: «كذلك [مات] إبراهيم الذي قدَّس اسمي في عالمي». فقال [موسى]: «ربَّنا [ربَّ] العالم، إبراهيم خرج منه إسماعيل الذي يغضبكَ نسله، فقد قيل [في التوراة]: "خِيَامُ الْمُخَرِّبِينَ مُسْتَرِيحَةٌ، وَالَّذِينَ يُغِيظُونَ اللهَ مُطْمَئِنُّونَ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِإِلهِهِمْ فِي يَدِهِمْ!"».[23] فقال [الله] له: «كذلك [مات] إسحاق الذي وضع عنقه على المذبح». فقال [موسى]: «إسحاق خرج منه عيسو الذي سيخرب [نسله] بيت المقدس وسيحرق هيكلكَ». فقال له [الله]: «كذلك [مات] يعقوب الذي خرج منه اثنا عشر سبطاً لا سوء فيهم». فقال [موسى]: «يعقوب لم يعرج إلى السماء، ولم تدس رجلاه السحاب، ولم يصبح كالملائكة الخُدَّام، ولم تتكلَّمْ معه وجهاً لوجه، ولم يقبل التوراة من يدكَ». فقال له القدُّوس مباركٌ هو: «كفاكَ! لا تزدْ في الكلام معي في هذا الأمر». قال [موسى]: «ربَّنا [ربَّ] العالم، ربَّما تقول الأجيال [المقبلة]: "لو لم يجد [الله] سوءاً في موسى لما أخرجه من العالم"». فقال [الله] له: «سبق أن كتبتُ في توراتي: "وَلَمْ يَقُمْ بَعْدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ مِثْلُ مُوسَى الَّذِي عَرَفَهُ الرَّبُّ وَجْهًا لِوَجْهٍ"».[24] قال [موسى]: «ستقول الأجيال إني فعلتُ مشيئتكَ في صباي، أمَّا في شيخوختي فلم أفعل مشيئتكَ». فقال له [الله]: «سبق أن كتبتُ في التوراة: "لأَنَّكُمَا خُنْتُمَانِي..."».[25] فقال [موسى]: «فليكن رضوانكَ أن أدخل الأرض وأبقى فيها سنتين أو ثلاث سنوات، وبعد ذلك أموت». قال [الله]: «لا تدخل إلى هناك». قال [موسى]: «إن لم أدخل في حياتي، فلأدخل بعد موتي». قال [الله]: «لا في حياتكَ ولا بعد موتكَ». قال [موسى]: «كلُّ هذا الغضب عليَّ! لمَ؟». قال له: «لأنكم لم تقدِّسوا إيَّاي». قال [موسى]: «مع البرِيَّة كلِّها نهجكَ الرحمة، [ترحم] مرَّتين وثلاث مرَّات... وأنا خطيئةٌ واحدةٌ لا تغفرها لي؟». قال له القدُّوس مباركٌ هو: «يا موسى! لقد أخطأتَ ستَّ خطايا لم أكشفها لكَ... (يعدِّد الله خطايا موسى الست)». فقال [موسى]: «ربَّ العالمين، منكَ تعلَّمتُ، فقد قُلتَ: "مجامر هؤلاء المخطئين..."».[26] فقال له القدُّوس مباركٌ هو: «قلتُ "ضدَّ نفوسهم"،[27] وليس من أجل آبائهم». قال [موسى]: «أنا وحيدٌ، وإسرائيل ستمئة ألف، وقد أخطأوا أمامكَ مرَّاتٍ عديدة، وطلبتُ لهم الرحمة فغفرتَ لهم. أَتعتني بستمئة ألف ولا تعتني بي؟». قال له [الله]: الحُكم على الجماعة ليس كالحُكم على الواحد. كما أنَّ الساعة كانت مسلَّمةً ليدكَ حتى الآن، لكنها من الآن ليست مسلَّمةً ليدكَ». قال له [موسى]: «ربَّ العالمين، قُمْ عن كرسيِّ القضاء واجلسْ على كرسيِّ الرحمة من أجلي لكيلا أموت، ولتُغفرْ خطاياي بالآلام التي في جسمي، ولا تتركني لحبل ملاك الموت. إذا فعلتَ كذلك، سأحدِّث بتسبيحك لكلِّ من يأتي إلى العالم، كما قال داود: "لاَ أَمُوتُ بَلْ أَحْيَا وَأُحَدِّثُ بِأَعْمَالِ الرَّبِّ"».[28] فقال [الله] له: «"هذَا الْبَابُ لِلرَّبِّ. الصِّدِّيقُونَ يَدْخُلُونَ فِيهِ"،[29] [إذاً] فقد حقَّ الموت على الصدِّيقين وكلِّ البرِيَّة منذ الأزل».
وعندما رأى موسى أن لا فائدة تُرجى، ذهب صوب السماوات والأرض، وقال لهم: «اطلبوا لي الرحمة». قالوا له: «قبل أن نطلب الرحمة لكَ، يجب أن نطلب الرحمة لأنفسنا». فذهب صوب النجوم والكواكب، وقال لهم: «اطلبوا لي الرحمة». قالوا له: «قبل أن نطلب الرحمة لك، يجب أن نطلب الرحمة لأنفسنا». فذهب صوب الجبال والتلال، وقال لهم: «اطلبوا الرحمة لي». فقالوا له: «قبل أن نطلب الرحمة لك، يجب أن نطلب الرحمة لأنفسنا»... فذهب صوب اليم العظيم، وقال له: «اطلب الرحمة لي». قال له: «يا ابن عمران، ما الفرق بين اليوم وبين قبل يومين؟ ألستَ أنتَ ابن عمران قد جئت إليَّ بعصاكَ وضربتني وشققتني إلى اثني عشر سبيلاً؟ فلم أقدر على أن أقف في وجهك بسبب السكينة، إذ كانت تسير أمامك على يمينك... فما جرى لك اليوم؟». وعندما ذكَّره اليم بصنيعه في صباه، زعق وبكى وقال: «"يَا لَيْتَنِي كَمَا فِي الشُّهُورِ السَّالِفَةِ وَكَالأيَّام الَّتِي حَفِظَنِي اللهُ فِيهَا"،[30] في ساعة عبرتُ عليكَ كنتُ ملك العالم، وهأنذا الآن أتذلَّل وليس من سامعٍ لي». وعلى الفور، ذهب صوب أمير الحضرة[31] وقال له: «اطلب لي الرحمة كي لا أموت». فأجابه: «يا سيِّدي موسى، لِمَ [كلُّ] هذا الجهد؟ هكذا سمعتُ من وراء الحجاب: لن تُسمع صلاتكَ في هذا الشأن». فأراح موسى يديه على رأسه وشرع يزعق ويبكي، وقال: «إلى مَن أذهب لأطلب الرحمة؟». قال الرابي سملاي[32]: في تلك الساعة امتلأ القدُّوس مباركٌ هو غضباً عليه، كما قيل [في التوراة]: "لكِنَّ الرَّبَّ غَضِبَ عَلَيَّ"،[33] إلى أن فتح موسى فاه بالمقرأ:[34] "فَاجْتَازَ الرَّبُّ قُدَّامَهُ، وَنَادَى الرَّبُّ: الرَّبُّ إِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الإِحْسَانِ وَالْوَفَاءِ"،[35] فبردت روح القدس في تلك الساعة.
ثمَّ قال القدُّوس مباركٌ هو لموسى: «يا موسى! لقد أقسمتُ قسَمين، الأوَّل أن تموت، والثاني ألا تهلك إسرائيل. وليس لي إلا أن أُبطل القسمين معاً، فإذا ما أردتَ أن تحيا وتهلك إسرائيل، فليكن». فقال [موسى]: «ربَّنا، أبمكيدةٍ تأتي عليَّ؟ أنت تمسك الحبل من رأسيه. فليهلكْ موسى وألفٌ مثله ولا يهلك واحدٌ من إسرائيل. ربَّ العالمين، الرِّجْلان اللتان صعدتا إلى السماء، والوجه الذي قابل وجه السكينة، واليدان اللتان قبلتا التوراة من يدكَ، آخرتها العفر؟ ويلي! ستقول جميع الأجيال: "إذا كان موسى الذي عرج إلى الأعالي وأصبح كالملائكة الخُدَّام وتكلَّم [مع الله] وجهاً لوجهٍ وقَبِل التوراة من يده لم يجد جواباً يجيب به القدُّوس مباركٌ هو، فما حال لحمٍ ودمٍ يمشي بلا توراة وبلا وصايا؟"». قال له القدُّوس مباركٌ هو: «لمَ كلُّ هذا الألم؟». قال له: «ربَّ العالم، إني لأخشى من حبل ملاك الموت». فقال [الله] له: «لن أسلِّمكَ ليده». قال [موسى]: «ربَّ العالمين، أُمِّي "يِكَبِّد" التي سقطت أسنانها في حياتها بسبب ابنيها الاثنين، ستسقط أسنانها لميتتي». فقال [الله] له: هكذا علا إلى حسباني، وهذا منهاج العالم، جيلاً فجيلاً بمعلِّميه، جيلاً فجيلاً برؤسائه، جيلاً فجيلاً بقادته. حتى الآن كان نصيبكَ أن تقف كالملائكة الخُدَّام أمامي، والآن انتهى نصيبكَ وجاءت ساعة يهوشع تلميذك ليخدمني». قال [موسى]: «ربَّنا، إذا كنتُ سأموت بسبب يهوشع، سأذهب وأصبح تلميذاً له». قال [الله] له: «إن كنت راضياً أن تفعل هذا، فاذهب وافعل».
وقف موسى وبكَّر إلى بوَّابة يهوشع، وكان يهوشع جالساً يدرس، فوقف موسى [أمامه] وأحنى قامته ووضع يده على فمه، وأُغشيتْ عينا يهوشع فلم يرَ موسى، وذلك كي يتألَّم [موسى] ويسلِّم نفسه إلى الموت. وذهب [بنو] إسرائيل إلى بوَّابة موسى ليتعلَّموا التوراة، فسألوا وقالوا: «هل سيِّدنا موسى هنا؟». قالوا لهم: «بكَّر وذهب إلى بوَّابة يهوشع». ذهبوا فوجدوه في بوَّابة يهوشع، وكان يهوشع جالساً وموسى واقفاً، فقالوا ليهوشع: «ما جال في ذهنك حتى تجلس وسيِّدنا موسى واقف؟». رفع [يهوشع] عينيه ورآه، فشقَّ ثوبه وزعق وبكى، ثمَّ قال: «سيِّدي، سيِّدي! أبي، أبي ومولاي!». قال [بنو] إسرائيل لموسى: «سيِّدنا موسى، علِّمْنا التوراة». قال لهم: «لا يحقُّ لي». فقالوا له: «لن نترككَ [حتى تعلِّمنا]». فسُمع صوتٌ يقول لهم: «تعلَّموا من يهوشع، واقبلوا أن يجلس يهوشع لتتعلَّموا منه». فجلس يهوشع على رأسهم، وموسى على يمينه، وبنو هارون على شماله، وكان يهوشع جالساً يدرِّس أمام موسى. قال الرابي سموأل بن نحماني، قال الرابي يونثان: في الساعة التي قال فيها يهوشع: "مبارك الذي اختار الصدِّيقين"، خرجت تقاليد الحكمة من موسى وحلَّت في يهوشع، فلم يعد موسى يفهم تدريس يهوشع. وبعدما انتهى [بنو إسرائيل] من الدرس، قالوا لموسى: «فسِّرْ لنا التوراة». فقال لهم: «لستُ أعرف ما أجيبكم به». ثمَّ تعثَّر سيِّدنا موسى ووقع. في تلك الساعة قال موسى: «ربَّ العالمين، حتى هذه اللحظة كنت أطلب الحياة، والآن ها هي نفسي قد أُعطيتْ لكَ». حينئذٍ سلَّم نفسه للموت، ففتح القدُّوس مباركٌ هو وقال: «"مَنْ يَقُومُ لِي عَلَى الْمُسِيئِينَ"،[36] من يقف إلى جانب إسرائيل في ساعة غضبي، ومن يقف في ملاحم أبنائي؟ من يطلب لهم الرحمة في ساعة خطيئتهم أمامي؟».
في تلك الساعة جاء مططرون،[37] فسقط [موسى] على وجهه، وقال لله: «ربَّنا [ربَّ] العالم، موسى في حياته لكَ، وفي موته هو لكَ». قال له القدُّوس مباركٌ هو: «سأضرب لكَ مثلاً، ما يشبه هذا الكلام؟ يشبه [قصَّة] ملكٍ كان له ابنٌ، وكان يغضب عليه كلَّ يومٍ ويطلب قتله لأنه لم يكن يمجِّد أباه، [لكنَّ] أمَّه كانت تنصله من يده. وعندما ماتت أمُّه، كان الملك يبكي، فقال له عبيده: "مولانا الملك، لماذا تبكي؟" قال لهم: "لستُ على امرأتي وحدها أبكي، بل عليها وعلى ابني. فكم من مرَّةٍ غضبتُ عليه وطلبتُ قتله فنصلته من يدي"». هكذا أيضاً قال القدُّوس مباركٌ هو لمططرون: «لستُ أئنُّ على موسى وحده، بل عليه وعلى إسرائيل، فكم من مرَّةٍ أغضبوني وغضبتُ عليهم، فوقف أمامي ليهدِّئ غضبي لكيلا أبيدهم!».
جاءوا وقالوا لموسى: «حانت الساعة التي تخرج فيها من العالم». فقال لهم: «أنظروني حتى أبارك إسرائيل، إذ لم يجدوا مني قُرَّة روحٍ طوال حياتي بسبب كلِّ التوبيخ الذي وبَّختهم به». بدأ [موسى] يبارك سبطاً فسبطاً، وعندما رأى أن الساعة قصرت، شملهم جميعاً ببركةٍ واحدة. جاءوا وقالوا له: «حانت الساعة التي تخرج فيها من العالم»، فقال لبني إسرائيل: «لقد أحزنتُكم كثيراً بسبب التوراة والوصايا، فالآن اغفروا لي». قالوا له: «سيِّدنا ومولانا، غفرنا لكَ». ثمَّ وقف بنو إسرائيل أمامه وقالوا له: «سيِّدنا موسى، لقد أغضبناكَ كثيراً وأثقلنا عليكَ، فاغفر لنا». قال لهم: «غفرتُ لكم». جاءوا وقالوا له: «حانت الدقيقة التي تخرج فيها من العالم. قال: مباركٌ اسم الحيِّ والقيَّام إلى أبد الدهر». ثمَّ قال [لبني] إسرائيل: «أرجو منكم عندما تدخلون الأرض أن تذكروني وتذكروا عظامي، وأن تقولوا: "آه على ابن عمران الذي ركض أمامنا كالحصان وسقطت عظامه في الصحراء"». جاءوا وقالوا له: «بقي نصف دقيقة [على موتكَ]»، فوضع يديه على قلبه، وقال [لبني] إسرائيل: «انظروا آخرتي، أنا اللحم والدم». فأجابوه وقالوا: «اليدان اللتان قبلتا التوراة من فم الجبَّار تسقطان في القبر». في تلك اللحظة، خرجت نسمته بقُبلة... ولم يُعرف قبره لا لبني إسرائيل ولا للملائكة، بل للقدُّوس مباركٌ هو وحده... لماذا دُفن [موسى] خارج الأرض؟[38] لكي يقوم الأموات المدفونون خارج الأرض بزكاته... ومتى مات سيِّدنا موسى؟ في السابع من آذار.[39]
[1] الحديث رقم 8402، مسند الإمام أحمد.
[2] أحد المدراشات القصيرة. يعني اسمه «وفاة سيِّدنا موسى»، ويختلف المؤرخون حول تاريخ تدوينه، لكن يُرجَّح أنه دُوِّن بين القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين. يمكن الاطلاع على نسخة إلكترونية من المدراش كما وردت في كتاب «أوصر همدرشيم» على الموقع الإلكتروني Sefaria. تجدر الإشارة إلى أن معظم الأفكار الواردة في هذا المدراش وردت أيضاً في كتاب أقدم هو مدراش «دبريم ربَّا» ويرجع تاريخه إلى ما بين القرنين الخامس والثامن الميلاديين، إلا أنني اكتفيت بترجمة فقرة واحدة من «دبريم ربَّا» نظراً إلى أن المدراش الثاني أوسع وأكثر تفصيلاً في تناوله لهذه القصَّة. يمكن الاطلاع على نسخة إلكترونية مفتوحة المصدر من الفقرة التي اخترت ترجمتها من مدراش «دبريم ربَّا» هنا: https://he.wikisource.org/wiki/דברים_רבה_יא_י.
[3] يُعرف أيضاً باسم مدراش «يلمِّدِنو» أي يُعلِّمنا، وهي عبارة تبدأ بها معظم فصوله. يتناول هذا المدراش كتاب التوراة بأكمله، وهو يحمل اسم الرابي «تنحوما» الذي عاش في القرن الخامس الميلادي، لكنه دوِّن بعد وفاته بقرون، إذ يرجِّح الباحثون أنه دوِّن بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين. يمكن الاطلاع على نسخة إلكترونية مفتوحة المصدر من المدراش هنا:https://he.wikisource.org/wiki/מדרש_תנחומא_ואתחנן#פרשה_ו.
[*] استخدم النص العبري كلمة «نِشَمَه» التي تعني الروح، وتقابل النسمة في العربية، وهي مرادف لكلمتي «نِفِش» و«رُوَّحْ» اللتين تحملان المعنى نفسه. وآثرت الإبقاء على الكلمة نفسها على الرغم من عدم شيوع استخدامها على هذا النحو حالياً، ولكن هذا معناها في العربية أيضاً، إذ نجد في لسان العرب: «النسم والنسمة: نفس الروح. وما بها نسمة أي نفس. يقال: ما بها ذو نسم أي ذو روح، والجمع نسم».
[4] يقصد بني إسرائيل الذين خرجوا من مصر.
[5] اسم ملاك تندر الإشارة إليه في المصادر اليهودية. يُشير هذا المدراش إلى أنه «أمير العالم»، بينما يقول مدراش ثانٍ إنه يمثل «رئيس ملائكة الحكمة والفهم» (انظر مدراش ألفا بيتا دِرَبِّي عقيبا).
[6] سمَّئيل أو سمائيل، اسم ملاك الموت في اليهودية، وهو أيضاً كبير الشياطين (إبليس في الإسلام). تجدر الإشارة إلى أن بعض اليهود يحرِّمون لفظ اسمه كما يحرمون لفظ اسم الله «يهوه».
[7] السكينة، في العبرية «شِخيناه»، وهي كلمة مشتقة من الجذر (ش ك ن) الذي يقابل (س ك ن) في العربية، وتشير في الأدب الحاخامي إلى حضور الله أو تجليه في العالم المادي.
[8] أيوب 28: 12.
[9] المزامير 94: 16.
[10] ميخا 7: 2.
[11] المزامير 94: 8.
[12] الآية السابقة.
[13] إشعيا 57: 1.
[14] التثنية 34: 10.
[15] المزامير 118: 25.
[16] التثنية 33: 21.
[17] الآية السابقة.
[18] الهاوية (شئول שאול) والهلاك (أبدون אבדון) وطين الحمأة (طيط هَيَّاوِن טיט היון): أسماء متنوعة للعالم السفلي أو الجحيم في اليهودية، وأصبحت تمثل درجات مختلفة من جهنم في الأدب الحاخامي.
[19] أيوب: 28: 14.
[20] الغمر (تهوم תהום): الكلمة تحمل دلالات واسعة في عدد من اللغات، بما في ذلك الأوغاريتية والأكادية والعبرية وغيرها، لكنها تشير بشكل عام إلى العالم السفلي أو الجحيم.
[21] قورح بن يصهار. ثار على موسى في الصحراء مع جمع من الناس، فعاقبهم الله بأن انشقت الأرض وابتلعتهم.
[22] التثنية 10: 14.
[23] أيوب: 12: 6.
[24] التثنية 34: 10.
[25] التثنية 32: 51.
[26] العدد 16: 38.
[27] الآية السابقة.
[28] المزامير 118: 17.
[29] المزامير 118: 20.
[30] أيوب 29: 2.
[31] أمير الحضرة الإلهية (שר הפנים)، لقب يوصف به عدد من الملائكة، بمن فيهم سوريئيل ومططرون وميكائيل، لهذا لا يمكنني الجزم بالمقصود هنا من بينهم.
[32] الرابي سملاي، أحد حكماء التلمود من القرن الثالث الميلادي.
[33] التثنية 3: 26.
[34] المقرأ (המקרא): من أسماء التوراة. الكلمة أصلاً تعني كل ما يُقرأ، قبل أن يقتصر معناها على التوراة وآياتها، وهي في ذلك تقابل كلمة القرآن في العربية.
[35] الخروج 34: 6.
[36] المزامير 94: 16.
[37] مططرون (ميتاترون): أحد أبرز الملائكة في الأدبيات اليهودية المتأخرة. لم يرد ذكره في التوراة، وتندر الإشارة إليه في التلمود، لكنه يمثل شخصية رئيسية في قصص المدراش وكتب القبَّالاه. تجدر الإشارة إلى أن بعض المصادر تطابق بينه وبين النبي حنوك (أخنوخ = إدريس) الذي رفعه الله إلى درجة الملائكة.
[38] في الأدبيات اليهودية، عادةً ما تحمل كلمة «الأرض» معنى خاصاً، إذ يُراد بها «أرض إسرائيل».
[39] يتفق الحكماء اليهود على أن يوم السابع من آذار في التقويم العبري يصادف يوم ميلاد ووفاة النبي موسى.

