القسم الأول من سلسلة: الأوغاريتية بعيون عربية
تمهيد
تمثِّل اللغة الأوغاريتية إحدى أقدم الشواهد على مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربية. وباعتبارها لغة ميتة انقطع استعمالها بسقوط مملكة أوغاريت مطلعَ القرن الثاني عشر ق.م، تكشف نقوشها الدينية والأدبية والتجارية والإدارية عن مرحلة مبكِّرة نسبياً من تاريخ اللغات السامية تتَّسم بنظام صرفي ونحوي محافظ.
في المقابل، تحتلُّ العربية موقعاً مركزياً في دراسة اللغات السامية بفضل نظامها الصوتي والصرفي والنحوي، الذي يُظهر العديد من أوجه التشابه مع نظيره في الأوغاريتية. ولا تنبع أهمية هذا التقارب من الجانب المعجمي وحده، بل من امتداده إلى مستويات أعمق تقوم عليها بنية اللغة نفسها.
لماذا العربية؟
تنطلق هذه السلسلة من فرضية مفادها أن التقارب بين العربية والأوغاريتية يتجاوز حدود الاشتراك في بعض الألفاظ، ليشمل مستويات صوتية وصرفية ونحوية متعدِّدة. وعلى الرغم من أن علاقة الأوغاريتية ببقية اللغات السامية – بما فيها العربية – قد نوقشت في إطار الدراسات اللغوية المقارنة، فإن حضور العربية في هذه الدراسات كان جزئياً أو هامشياً، ولاسيما في المنشورات الموجهة إلى القارئ العربي.
من هنا، تمثل «سلسلة الأوغاريتية بعيون عربية» محاولةً لتجسير هذه الفجوة عبر تقديم قواعد وأسس اللغة الأوغاريتية للقراء من ناطقي العربية من منظور اللغة العربية نفسها، وذلك من خلال إجراء مسح مقارن لأبرز عناصر التشابه بين اللغتين، ما يسهّل تعلُّم الأوغاريتية على المهتمين من المتخصصين والهواة. ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذه السلسلة لا تُغني، ولا ينبغي لها أن تُغني، عن الدراسات اللغوية والبحوث الأكاديمية المعتمدة في الجامعات العالمية، ولاسيما للقراء المتخصصين، إذ تُغفل هذه السلسلة عمداً بعض التفاصيل الجزئية شديدة التخصص التي قد تثير ملل القارئ العادي أو تُثقل عليه.
أولاً: نظام الكتابة الأوغاريتي
لمحة عن اللغة الأوغاريتية وتاريخها
اللغة الأوغاريتية هي إحدى اللغات السامية القديمة التي نطق بها سكَّان مملكة أوغاريت (ؤُجَرِت = 𐎜𐎂𐎗𐎚) على الساحل السوري (رأس شمرا شمال اللاذقية) في نهاية العصر البرونزي بين القرنين الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد، وقد اندثرت تماماً وانقطع استخدامها بسقوط المملكة نحو عام 1190 ق.م.
تنتمي الأوغاريتية إلى مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربية التي تضم لغات كالعبرية والفينيقية، وقد دُوِّنت باستخدام نظام كتابة فريد في عصره، إذ استغنت عن المسمارية المقطعية الأكَّدية التي مثَّلت نظام الكتابة الدولي آنذاك، واستعاضت عنها بنظام مسماري أبجدي خاص بها يُعنى بتدوين الصوامت وحدها بدلاً من المقاطع الصوتية، وبذلك تحقق لها تقليص عدد الرموز المسمارية اللازمة للكتابة من بضع مئات إلى 30 رمزاً فقط؛ 28 رمزاً للحروف المتمايزة، ورمزان إضافيان لتدوين الهمزة في حالتي الكسر والضم. وعلى عكس معظم الأبجديات السامية اللاحقة كالعربية والعبرية والآرامية، كانت الأوغاريتية تُدوَّن في النقوش من اليسار إلى اليمين.
منذ اكتشاف آثار مملكة أوغاريت في عشرينيات القرن العشرين، عُثر في موقعي رأس شمرا ورأس ابن هانئ ومواقع أخرى على عدد كبير من النقوش المدوَّنة بالأبجدية الأوغاريتية – فضلاً عن النقوش المدوَّنة بالمسمارية المقطعية – تتضمن أرشيفات ضخمة تغطي الجوانب الدينية والطقسية والسحرية، إضافة إلى الشؤون الإدارية والتجارية، والمراسلات الدولية والشخصية، وغيرها من الموضوعات التي ساعدنا تنوعها على التوصل إلى فهم أعمق للغة الأوغاريتية وعلاقتها بشقيقاتها من اللغات السامية، وبغيرها من اللغات التي تحدث بها سكان المنطقة آنذاك؛ فضلاً عن تسليط الضوء على العبادات والعادات والجوانب الاجتماعية للشعوب السامية القديمة. لهذه الأسباب وغيرها، تعدُّ الأوغاريتية إحدى أبرز اللغات التي نالت قسطاً كبيراً من اهتمام الباحثين، ولاسيَّما في مجال العلوم اللسانية المقارنة.
الأبجدية الأوغاريتية
تعدُّ الأبجدية الأوغاريتية من أهم الشواهد على تمايز الصوامت السامية القديمة، فقد تضمَّن نظامها ثلاثين رمزاً مقابل اثنين وعشرين رمزاً في الأبجديات الفينيقية والعبرية والآرامية، وقد خُصَّصت رموزٌ منفصلة لصوامت لا نجد تمايزها على هذا النحو إلا في العربية وبعض اللغات السامية الجنوبية كالسبئية، وهي الخاء والذال والظاء والثاء والغين. وكما يتبيَّن من عدد من النقوش الأوغاريتية (بما فيها الرقيم KTU 5.6 – انظر الشكل 1)، اعتمد الأوغاريتيون ترتيباً أبجدياً مطابقاً تقريباً للترتيب الفينيقي اللاحق (أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت)، وقد عُثر في أوغاريت على عدد من النقوش التي تتضمن الأبجدية كاملةً وفقاً للترتيب الأوغاريتي (أبجخد هوز حطي كشلمذن ظسعفص قرثغت ئ ؤ س). كما عُثر على نقش واحد على الأقل (KTU 5.24) دُوِّنت فيه الأبجدية بترتيب مختلف يوافق الترتيب المعروف في اللغات العربية الجنوبية.

وكما يتبين من الترتيب الأبجدي الذي تقدَّم ذكره، تشترك الأبجدية الأوغاريتية مع العربية في 27 حرفاً، فهي تتضمن جميع حروف الأبجدية العربية باستثناء الضاد (الشكل 2).
| الحرف الأوغاريتي | الرمز اللاتيني | مقابله في العربية | مقابله في العبرية |
|---|---|---|---|
| 𐎀 | ả | أ | א |
| 𐎁 | b | ب | ב |
| 𐎂 | g | ج | ג |
| 𐎃 | ḫ | خ | – |
| 𐎄 | d | د | ד |
| 𐎅 | h | هـ | ה |
| 𐎆 | w | و | ו |
| 𐎇 | z | ز | ז |
| 𐎈 | ḥ | ح | ח |
| 𐎉 | ṭ | ط | ט |
| 𐎊 | y | ي | י |
| 𐎋 | k | ك | כ |
| 𐎌 | š | ش/س | ש |
| 𐎍 | l | ل | ל |
| 𐎎 | m | م | מ |
| 𐎏 | ḏ | ذ | – |
| 𐎐 | n | ن | נ |
| 𐎑 | ẓ | ظ | – |
| 𐎒 | s | س | ס |
| 𐎓 | ʿ | ع | ע |
| 𐎔 | p | ف | פ |
| 𐎕 | ṣ | ص | צ |
| 𐎖 | q | ق | ק |
| 𐎗 | r | ر | ר |
| 𐎘 | ṯ | ث | – |
| 𐎙 | ġ | غ | – |
| 𐎚 | t | ت | ת |
| 𐎛 | ỉ | ئ | – |
| 𐎜 | ủ | ؤ | – |
| 𐎝 | s2 | – | – |
ملاحظة: في النقل الحرفي اللاتيني (Transliteration)، ينبغي التمييز بين الرموز a/u/i التي تشير إلى الصوائت القصيرة (ـَ، ـُ، ـِ)، وبين الرموز ā/ū/ī التي تشير إلى الصوائت الطويلة (ا، و، ي) – وهذه الصوائت تغيب عن الأبجدية الأوغاريتية – وبين الرموز ả/ủ/ỉ التي تشير إلى الهمزة في حالات الضم والفتح والكسر، ولها في الأوغاريتية ثلاثة رموز مختلفة.
فاصل الكلمات
لا يمكن الحديث عن نظام الكتابة الأوغاريتي دون المرور على العلامة المسمارية الصغيرة 𐎟 (أو وتد عمودي دقيق: |) التي استخدمها الكاتب الأوغاريتي بين كل كلمتين لتمييز حدود كل منهما (الشكل 3). وعلى غرار المسافة الفارغة التي نتركها اليوم بين الكلمات، كان هذا الفاصل أداة ضرورية ومفيدة لقُرَّاء النقوش آنذاك، ولقرَّائها من باحثي اليوم. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن قواعد تدوين فواصل الكلمات لم تكن صارمة، وثمة عدد كبير من النقوش التي لم تتضمن أي فاصل بين كلماتها.

الرقيم KTU 4.169 (RS 15.083)
ثانياً: النظام الصوتي
لماذا نبدأ بالنظام الصوتي والصوامت المشتركة؟
يشكِّل النظام الصوتي المدخل الأنسب لدراسة اللغة الأوغاريتية، ولاسيما في إطار المقارنة مع العربية. فالصوامت السامية القديمة تمثِّل أحد أكثر عناصر البنية اللغوية ثباتاً في هاتين اللغتين، كما أن الأبجدية الأوغاريتية نفسها تعدُّ شاهداً مادِّياً مباشراً على تمايز بعض الصوامت التي اندمج بعضها أو فُقد تماماً في لغات أخرى.
يتناول هذا المحور ملامح النظام الصوتي في الأوغاريتية والعربية، بما في ذلك الصوائت (الحركات) الرئيسة فيهما، والصوامت السامية القديمة التي استمرت في كلتيهما كحروف متمايزة، مثل الذال والظاء والغين والخاء والثاء، وهي صوامت فقدتها بعض اللغات السامية (كالأكَّدية والآرامية والعبرية والفينيقية) أو دمجتها في صوامت أخرى، إضافة إلى رصد التحولات الصوتية في عدد آخر منها، كالجيم والفاء والضاد.
الصوامت
تضمنت الأوغاريتية – على غرار العربية – عدداً من الصوامت التي اندمجت أو فُقدت في العديد من اللغات السامية الشقيقة، بما في ذلك الفينيقية والعبرية والآرامية، وهي الثاء والذال والظاء والغين والخاء (ث ذ ظ غ خ)، وقد ظلَّت الأوغاريتية وفيَّةً للتمييز بين هذه الصوامت حتى النهاية. ومع ذلك، لم تتضمن الأوغاريتية حرف الضاد – على غرار معظم اللغات السامية – وقد اندمج فيها بحرف الصاد، حالها في ذلك حال العبرية، بخلاف الآرامية التي استبدلته بالقاف في مراحلها المبكرة، ثم بالعين.
أما الرمز الأخير في الأبجدية الأوغاريتية (𐎝)، فيمثل سيناً ثانية يختلف الباحثون في شأنها، إذ يعدُّها بعضهم حرفاً أصلياً في اللغة السامية الأم، بينما يعدُّه آخرون حرفاً مستعاراً من لغات أخرى (ربما الخاتية أو الحورية)، ما يُفسِّر ندرة تدوينه في النقوش الأوغاريتية عموماً، والاستعاضة عنه بالسين (سامخ) في العديد من المواضع، مثل كلمة «سسو» التي تعني حصان، وقد وردت في النقوش بتهجئتين هما 𐎝𐎝𐎆 و𐎒𐎒𐎆. كما يُفسِّر هذا ترتيبه كحرف أخير يبدو ملحقاً بالأبجدية بعد الرمزين اللذين يمثلان الهمزة في حالتي الكسر والضم، ما قد يُشير إلى أنه لم يكن حرفاً أصلياً في هذه اللغة. على كل حال، لا يوجد إجماع علمي حول هذا الشأن حتى اليوم.
وعلى الرغم من التطابق شبه الكامل بين الأبجديتين العربية والأوغاريتية، نلاحظ من النقوش الأوغاريتية ما يمكن عدُّه بدايةً لتحوُّلات طرأت على عددٍ من الصوامت الأوغاريتية، إضافة إلى تحول السين الثانية الذي سبق ذكره، سأتناول أهمها فيما يلي:
الظاء والطاء:
تبدو العلاقة بين هذين الحرفين تبادلية إلى حد ما في اللغة الأوغاريتية. فعلى الرغم من أن الأبجدية الأوغاريتية قد حافظت على التمايز بينهما، إلا أن العديد من الكلمات التي تضمَّنت أحد هذين الحرفين قد دُوِّنت باستخدام الحرف الآخر، فنجد الظاء في كلمات أصلها الطاء، والطاء في كلمات أصلها الظاء، كما يتبين في الجدول التالي:
| الجذر الأصلي | في النقوش الأوغاريتية |
|---|---|
| ظلل ẓll | 𐎑𐎍𐎍 (ظلل ẓll) 𐎉𐎍𐎍 (طلل ṭll) |
| لطف lṭp | 𐎍𐎉𐎔 (لطف lṭp) 𐎍𐎑𐎔 (لظف lẓp) |
| حظر ḥẓr | 𐎈𐎑𐎗 (حظر ḥẓr) 𐎈𐎉𐎗 (حطر ḥṭr) |
الظاء والغين:
شهد عدد من الجذور في الأوغاريتية تحولات ما زال تعليلها موضع نقاش، إذ نجد أحياناً أن الكلمات التي تتضمن حرف الظاء في أصلها قد دُوِّنت بالغين لا بالظاء، وذلك على الرغم من أن الأوغاريتية قد تضمنت حرف الظاء واستخدمته كغيره. ويعدُّ هذا التحول في اللغة الأوغاريتية فريداً من نوعه، ولا نجده في لغات سامية أخرى. فيما يلي بعض الكلمات التي تحول فيها حرف الظاء الأصلي إلى غين:
| الجذر الأصلي | في النقوش الأوغاريتية |
|---|---|
| نظر nẓr | 𐎐𐎙𐎗 (نغر nġr) |
| ظمأ ẓmả | 𐎙𐎎𐎀 (غمأ ġmả) |
| يقظ yqẓ | 𐎊𐎖𐎙 (يقغ yqġ) |
الذال والدال:
على الرغم من أن الأوغاريتية قد حافظت على تمايز حرف الذال، على عكس معظم اللغات السامية التي تحوَّل فيها الذال إلى دال (مثل الآرامية) أو إلى زاي (مثل العبرية)، إلا أننا نجد في بعض الكلمات ما يبدو بدايةً لتحوُّلٍ شبيه بالتحوُّل الذي طرأ على الذال في الآرامية. فالاسم الموصول في الأوغاريتية قد تحوَّل من «ذو» إلى «دو»، وكذلك نجد هذا التحوُّل في عدد من الكلمات الأخرى، أورد بعضها في الجدول التالي:
| الجذر الأصلي | في النقوش الأوغاريتية |
|---|---|
| أخذ ảḫḏ | 𐎀𐎃𐎏 (أخذ ảḫḏ) 𐎀𐎃𐎄 (أخد ảḫd) |
| ذرع ḏrʿ | 𐎏𐎗𐎓 (ذرع ḏrʿ) 𐎄𐎗𐎓 (درع drʿ) |
| ذقن ḏqn | 𐎄𐎖𐎐 (دقن dqn) |
النطق والتحولات
تعد الأوغاريتية لغةً مُحافظةً جداً من حيث التمييز بين الصوامت السامية، ومن حيث نطقها أيضاً، ما يجعل من نطق الصوامت فيها أقرب إلى النطق العربي، باستثناءين فقط؛ إذ يسود الرأي القائل إن حرف الجيم كان يُلفظ جيماً غير معطشة (أي g كالجيم القاهرية، صوت طبقي وقفي مجهور)، لا جيماً معطشة كالعربية الفصحى؛ وكذلك فإن حرف الفاء كان يُلفظ كحرف p في اللاتينية (أي پ، صوت شفوي وقفي مهموس) لا كحرف الفاء في العربية (أي f، صوت أسناني شفوي احتكاكي مهموس). ومن المهم أن أشير إلى أن لفظ هذين الحرفين على هذا النحو هو الأقدم والأكثر شيوعاً في عائلة اللغات السامية، ونجده في الأكَّدية والعبرية القديمة والآرامية وغيرها.
ولتوضيح التشابه الصوتي بين الأوغاريتية والعربية، والاختلافات مع العبرية (ومعظم اللغات السامية)، أورد في الجدول التالي مجموعة من الكلمات المشتركة بين كل من الأوغاريتية والعربية والعبرية تتضمن الحروف ث ذ ظ غ خ ض لتبيين تحولاتها، يليه جدول لهذه التحولات:
| الأوغاريتية | العربية | العبرية |
|---|---|---|
| 𐎘𐎙𐎗 (ثغر ṯġr) | ثغر (ṯġr) | שער (شعر šʿr) |
| 𐎃𐎗𐎁 (خرب ḫrb) | خرب (ḫrb) | חרב (حرب ḥrb) |
| 𐎈𐎑 (حظ ḥẓ) | حظ (ḥẓ) | חץ (حص ḥṣ) |
| 𐎏𐎐𐎁 (ذنب ḏnb) | ذنب (ḏnb) | זנב (زنب znb) |
| 𐎀𐎗𐎕 (أرص ảrṣ) | أرض (ảrḍ) | ארץ (أرص ảrṣ) |
| الأوغاريتية | العربية | الآرامية | العبرية |
|---|---|---|---|
| 𐎘 (ث ṯ) | ث (ṯ) | ת (ت t) | ש (ش š) |
| 𐎃 (خ ḫ) | خ (ḫ) | ח (ح ḥ) | ח (ح ḥ) |
| 𐎑 (ظ ẓ) | ظ (ẓ) | ט (ط ṭ) | צ (ص ṣ) |
| 𐎏 (ذ ḏ) | ذ (ḏ) | ד (د d) | ז (ز z) |
| 𐎙 (غ ġ) | غ (ġ) | ע (ع ʿ) | ע (ع ʿ) |
الصوائت والحركات
لا بدَّ في البداية من توضيح مسألة مهمَّة؛ فالأبجدية الأوغاريتية، حالها حال معظم الأبجديات الأولى، أهملت تدوين الصوائت واقتصر نظامها الكتابي على تدوين الصوامت وحدها. ومع ذلك، تمكَّن المتخصصون من التعرف على نظامها الصوتي بفضل النقوش الأوغاريتية المدوَّنة باستخدام المسمارية المقطعية، إذ يحافظ هذا النظام الكتابي على جميع الأصوات الطويلة (ا، و، ي) والقصيرة (ـَ، ـُ، ـِ). ويتبين من النصوص الأوغاريتية المدونة بهذا النظام أن اللغة الأوغاريتية كانت لغةً مُعْربةً، أي تتغير فيها حركات أواخر الكلمات بحسب إعراب الكلمة وموقعها في الجملة.
إضافة إلى ذلك، نجد شاهداً إضافياً على الصوائت الأوغاريتية في الأبجدية نفسها، فقد عمد الأوغاريتيون إلى ابتكار ثلاثة رموز للهمزة، هي الهمزة المفتوحة (أ = 𐎀)، إضافة إلى رمزين إضافيين للهمزة في حالتي الضم (ؤ = 𐎜) والكسر (ئ = 𐎛). وقد ساعدنا التمييز بين الهمزات على إثبات وجود الحالات الإعرابية في اللغة الأوغاريتية، إذ استخدم الأوغاريتيون رموز الهمزة (𐎀/𐎛/𐎜 = أ/ؤ/ئ) للتعبير عن بعض الحركات التي تغيب عن نظامها الكتابي، فيتغير رمز الهمزة في نهاية الكلمة (وبالتالي صوت/حركة الهمزة) وفقاً لحالة الكلمة الإعرابية، مثل كلمة «ئقنؤ = حجر اللازورد» التي دُوِّنت في النقوش الأوغاريتية «ئقنؤ 𐎛𐎖𐎐𐎜» في حالة الرفع، و«ئقنئ 𐎛𐎖𐎐𐎛» في حالة الجر؛ وغيرها من الكلمات التي أورد بعضها في الجدول التالي لغرض التوضيح، على أن نتوسع في هذه المسألة عند انتقالنا إلى قسم النظام النحوي.
| الرفع | النصب | الجر |
|---|---|---|
| 𐎋𐎒𐎜 (كسؤ ksủ) | 𐎋𐎒𐎀 (كسأ ksả) | 𐎋𐎒𐎛 (كسئ ksỉ) |
| 𐎍𐎍𐎜 (للؤ llủ) | 𐎍𐎍𐎀 (للأ llả) | 𐎍𐎍𐎛 (للئ llỉ) |
| 𐎎𐎗𐎜 (مرؤ mrủ) | 𐎎𐎗𐎀 (مرأ mrả) | 𐎎𐎗𐎛 (مرئ mrỉ) |
وينطبق ذلك أيضاً على الأفعال، إذ يتغير رمز الهمزة في نهاية الفعل وفقاً لصيغته وزمنه، فنجد الفعل الماضي «قرأ» قد دُوِّن بالهمزة المفتوحة (أ = 𐎀)، بينما دُوِّنت صيغة المضارع «يقرؤ» بالهمزة المضمومة (ؤ = 𐎜) كما يتبين من الجدول التالي.
| الفعل الماضي | الفعل المضارع |
|---|---|
| 𐎖𐎗𐎀 (قرأ qrả) | 𐎊𐎖𐎗𐎜 (يقرؤ yqrủ) |
| 𐎃𐎗𐎀 (خرأ ḫrả) | 𐎊𐎃𐎗𐎜 (يخرؤ yḫrủ) |
| 𐎎𐎍𐎀 (ملأ mlả) | 𐎊𐎎𐎍𐎜 (يملؤ ymlủ) |
بالاعتماد على النقوش الأوغاريتية المدوَّنة بالمسمارية المقطعية، يتبيَّن لنا أن الأوغاريتية تضمنت ستة صوائت، ثلاثة طويلة (ا و ي = ā ū ī) وثلاثة قصيرة (ـَ ـُ ـِ a u i)، ما يجعل من نظامها الصوتي الأكثر تشابهاً مع العربية، إذ تخلو كلتا اللغتين من حركات الإمالة المعروفة في الآرامية والعبرية والعديد من اللغات السامية الأخرى.
ومع ذلك، يذهب عدد من الباحثين إلى أن الأوغاريتية قد تضمنت صائتين آخرين، هما الألف الممالة (ē) الذي نشأ عن تحول الصوت (ay)، كما في كلمة «بَيْت bayt» التي تصبح في بعض اللهجات الشامية «بِيْت bēt»، وصوت الواو الممالة (ō) الذي نشأ عن تحول الصوت (aw)، كما في كلمة «يَوْم yawm» التي تصبح في بعض اللهجات الشامية «يُوم yōm».
كما تجدر الإشارة إلى أن رمز الهمزة المكسورة (𐎛) في الأوغاريتية لا يدلُّ دائماً على حركة الكسر، ولاسيَّما حين يرد في وسط الكلمة؛ إذ تشير الشواهد في عدد من المواضع إلى أنه قد يُستعمل أحياناً للدلالة على السكون. ومن أبرز الأمثلة على هذه الحالة كلمة 𐎗𐎛𐎌 (رئش = rỉš) التي تعني رأس، وهي تُلفظ رَأْش (على غرار العربية والأكادية وغيرهما) وليس رَئِش.
ملاحظات ختامية
يهدف هذا القسم إلى وضع الأساس الصوتي والأبجدي اللازم لفهم اللغة الأوغاريتية. وقبل الانتقال إلى الأقسام التالية، هناك ثلاث نقاط جوهرية ينبغي أن يضعها القارئ نصب عينيه قبل المضي قدماً في هذه السلسلة:
أولاً: لا يعني التقارب الصوتي الكبير بين الأوغاريتية والعربية تطابقاً في جميع أوجه الصرف والنحو.
ثانياً: سيكون التمييز بين الحروف وأصواتها ورموزها الكتابية وتحولاتها أداة حاسمة في فهم الجذور والكلمات المشتركة وتحولاتها بين اللغات السامية عموماً، والعربية والأوغاريتية خصوصاً، لذا أنصح القارئ بمراجعة الجداول الواردة في هذا القسم واستيعابها جيداً والعودة إليها مراراً قبل الانتقال إلى الأقسام التالية.
ثالثاً: معظم ما نعرفه عن الصوائت والإعراب في الأوغاريتية يعتمد أساساً على النقوش المسمارية المقطعية (وليس الأبجدية)، وكذلك على المقارنة باللغات السامية الشقيقة، ما يستدعي الحذر عند بناء الأوزان والصيغ الصرفية والنحوية.
انطلاقاً مما سبق، سننتقل في الأقسام التالية من مستوى الصوت والحرف إلى مستوى الأداة والكلمة، وذلك من خلال دراسة الضمائر والجذور الأوغاريتية، وأنماط الاشتقاق، وصيغ الأفعال؛ قبل الانتقال إلى تركيب الجملة وإعرابها، ما يمكِّن القارئ من تشكيل صورة شاملة عن الأوغاريتية وبنيتها اللغوية.
المراجع
تعتمد مقالات هذه السلسلة على المراجع الأكاديمية التالية:
– A Dictionary of the Ugaritic Language in the Alphabetic Tradition (del Olmo Lete & Sanmartín, Brill)
– KTU³ (Dietrich, Loretz & Sanmartín)
– Daniel Sivan, A Grammar of the Ugaritic Language
– Bordreuil & Pardee, A Manual of Ugaritic
– Cyrus H. Gordon, Ugaritic Textbook

