ما هي اللغات السامية؟

مدخل موجز إلى هذه الأسرة اللغوية، وأشهر لغاتها، وأهميتها التاريخية والثقافية.

نقوش ورقم من حضارات الشرق القديم تمثل اللغات السامية

تعد اللغات السامية فرعاً من الأسرة الأفروآسيوية، وهي تضم لغات مثل العربية والعبرية والآرامية والأكادية والأوغاريتية والفينيقية والجعزية وغيرها. يجمع بين هذه اللغات أصل مشترك ضارب في القدم، لذلك تتشابه فيما بينها الجذور، وأنظمة بناء الكلمات وأوزانها وكيفية اشتقاقها، فضلاً عن عدد من الظواهر الصوتية والصرفية.

يقسم الباحثون اللغات السامية إلى فرعين رئيسين: السامية الشرقية التي تضم الأكادية والإبلائية، والسامية الغربية التي تندرج تحتها مجموعات عدة، منها الوسطى أو المركزية التي تشمل العربية، والعربية الجنوبية المعاصرة، والسامية الشمالية الغربية، وهذه بدورها تضم لغات مثل الأوغاريتية والكنعانية والآرامية.

الفروع الرئيسية لمجموعة اللغات السامية. المصدر: أحمد الجلاد

تكشف الشواهد المكتوبة عن قدم اللغات السامية وعمقها التاريخي، إذ ترجع أقدم نصوصها المعروفة إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وتشمل النقوش الأكادية المبكرة والأرشيف الإبلائي الضخم، والنقوش الأوغاريتية والكنعانية من الألف الثاني قبل الميلاد، فضلاً عن النقوش الفينيقية والآرامية والعبرية والعربية بدءاً من الألف الأول قبل الميلاد.

تنبع أهمية اللغات السامية من امتدادها غير المنقطع من أقدم الرقم الطينية والنقوش التي وصلتنا إلى اللغات الحية التي ما زالت محكية اليوم، ما يجعل منها الأداة الأبرز التي تساعدنا على فهم تاريخ المنطقة، وتطور الكتابة واللغات، والأساطير والنصوص الدينية والأدبية لمختلف شعوب المنطقة.

رقيم ذهبي لآشورناصربال الثاني عُثر عليه في قصره في مدينة أبكو (تل أبو ماريا).

تعد تسمية «اللغات السامية» اصطلاحاً حديثاً نسبياً، صاغه أوغست لودفيغ فون شلوتسر عام 1781، واشتقه من اسم «سام بن نوح» في التوراة، ثم استقر بعد ذلك اسماً متداولاً لهذه الأسرة اللغوية. تُستعمل هذه التسمية اليوم استعمالاً اصطلاحياً خالصاً، ولا تحمل أي معنى عرقي أو قومي، وتقتصر على الإشارة إلى مجموعة لغات يجمعها أصل تاريخي ولساني مشترك. ولهذا، لا تبدو البدائل المقترحة، مثل «اللغات العربية» و«اللغات المشرقية» و«اللغات الشامية» و«اللغات الجزرية»، دقيقةً من الناحية العلمية؛ ذلك أن العربية تمثل فرعاً واحداً من هذه الأسرة المتنوعة، والمشرقية تعبير واسع تنطوي تحته لغات أخرى لا تنتمي إلى هذه المجموعة، كالفارسية مثلاً؛ وأن وصفها بـ«الشامية» أو «الجزرية» يحدُّ من نطاقها الجغرافي الواسع الذي يشمل، إلى جانب بلاد الشام والجزيرة العربية، أقاليمَ واسعةً في آسيا وأفريقيا، بما فيها بلاد الرافدين وإثيوبيا ومالطا وغيرها.

حفظت اللغات السامية لنا نصوصاً أدبية ودينية تمثل بعضاً من أهم ما عرفه التراث الإنساني، بدءاً من الأساطير الرافدينية التي دُوِّنت بالأكادية وتنويعاتها، والملاحم الأوغاريتية التي تمثل أبرز – وربما أول – النقوش التي استُخدم فيها النظام الأبجدي في الكتابة، مروراً بأسفار التوراة وكتب المشنَه والتلمود والمدراش التي دُوِّنت بالعبرية والآرامية، وصولاً إلى القرآن الكريم والأدبيات الإسلامية التي دُوِّنت بعربية قريش.

أبرز اللغات

الأكادية (البابلية والآشورية) والإبلائية والأوغاريتية والعربية والآرامية (السريانية والتدمرية وغيرهما) والكنعانية (العبرية والفينيقية وغيرهما) والجعزية والأمهرية.

شواهدها

حفظتها نقوش الشرق القديم، كما بقي بعض فروعها حياً في عدد من لغات بلاد الشام والعراق والجزيرة العربية وأفريقيا، وغيرها من المناطق في آسيا وأفريقيا.

أهميتها

تكتسي أهمية خاصة لصلتها بتاريخ بلاد المشرق، وبنصوصها الأدبية وآثارها الكتابية وإرثها الديني، ما يجعل منها خزاناً حضارياً وثقافياً ودينياً لشعوب المنطقة.

وهنا تكمن أهمية دراسة هذا الحقل اللغوي: فهو لا يجمع بين لغات متقاربة فحسب، بل يمثل أيضاً جسراً يصل بين أرشيفات هائلة تمتد من الرُّقُم والنقوش إلى الكتب المقدسة والمدونات الأدبية التي طبعت المنطقة بطابعها الفريد على مدى آلاف السنين. ومن هنا ينبع اهتمام دالِت باللغات السامية ونصوصها، فهي تمثل مدخلاً أساسياً لدراسة حضارات الشرق وفهم أصولها ومآلاتها.