نُشر هذا البحث أولاً في مؤسسة تكوين الفكر العربي في 24 آذار/مارس 2026، وأعيد نشره هنا في موقع دالِت: ترجمات ودراسات بعد مراجعة تنسيقية وتحريرية طفيفة لا تمسُّ جوهر البحث.
مقدَّمة
في معرض دراسة تاريخ العرب قبل الإسلام، ولندرة المصادر التاريخيَّة التي تتناول هذه المرحلة، يُضطَرُّ الباحثون إلى اللجوء إلى التقليد الإسلامي الذي يقف من عرب ما قبل الإسلام موقف الخصم والحَكَم، إذ يقدِّم صورةً سلبيَّةً عن قيمهم الاجتماعيَّة والعقائديَّة، ويقرنهم بالعنف والكفر والجهل. على الرغم من ذلك، قدَّمت لنا كتب السيرة والحديث لمحةً عامَّةً عن حياة العرب قبل الإسلام، فعرفنا أنهم كانوا مجتمعاً قبلياً عُني بتربية الخيل والإبل، واشتغل بالرعي والتجارة والزراعة، وعبد آلهةً عديدةً، واهتمَّ بالأنساب وسير الأجداد، وتفاخر بها في الشعر.
بالنظر إلى المصادر الأخرى، تظهر صورةٌ أكثر تعقيداً للعربيِّ قبل الإسلام. ويمثِّل كتابا التلمود – وكذلك الِمشنَه في طبيعة الحال لكونه الأساس الذي يقوم عليه التلمود – بعضاً من هذه المصادر الموازية، إذ سجَّل الحكماء اليهود في كتبهم هذه العديد من التفاصيل التي تسلِّط الضوء على الحياة اليوميَّة والدينيَّة للعرب في فترة تحرير المِشنَه ثمَّ التلمود، لا بقصد مقارنتها باليهوديَّة أو بغيرها، بل في معرض تناولهم مختلف الأحكام والروايات التلموديَّة بشكلٍ عام. لهذا، قد تكون الصورة التي رسمها التلمود للعرب قبل الإسلام أقلَّ انحيازاً من نظيرتها في التقليد الإسلامي الذي أعاد تصوير «الجاهليَّة» لتكون نقيضاً للإسلام؛ فكلَّما أمعنَ في تقبيح صورة عرب الجاهليَّة، ظهر الإسلام أكثر تحضُّراً واستنارةً وعدلاً.
يندرج هذا البحث في سياق حقلٍ تناولته دراساتٌ عديدة في العقود الأخيرة، لعلَّ أبرزها كتاب كارول باخوس «إسماعيل على الحدود» (Ishmael on the Border: Rabbinic Portrayals of the First Arab)، الذي يتتبَّع صورة إسماعيل في الأدبيَّات اليهوديَّة من التوراة حتى المدراشات المتأخِّرة، وذلك باعتباره شخصيَّةً تُساهم في تعريف هويَّة إسرائيل من خلال نقيضها، وتتحوَّل تدريجياً إلى أصلٍ رمزيٍّ للعرب ثمَّ للمسلمين. إلا أنَّ محور اهتمام باخوس يبقى تمثيل إسماعيل باعتباره «الآخر» في السياق الديني، لا العرب بوصفهم جماعةً تاريخيَّة. أمَّا هذا البحث فيعود إلى المِشنَه والتلمودين الأورشليميِّ والبابليِّ ليستخرج من مواضع ذكر «العرب» و«الإسماعيليِّين» و«بني إسماعيل» و«الطيَّايعا» مادَّةً يمكن من خلال الجمع بينها تشكيلُ صورةٍ مبدئيَّةٍ للعرب قبل الإسلام؛ تُبيِّن حياتهم الروحيَّة، وأنماط عيشهم الاجتماعيِّة والاقتصاديَّة، وحدود الاحتكاك اليوميِّ بينهم وبين اليهود. بهذا، يتقاطع هذا البحث مع دراسة باخوس في اهتمامه بحضور العرب في المصادر اليهودية، لكنَّه ينصرف إلى الإجابة عن سؤال آخر، هو: ماذا يمكن أن نقول عن العرب أنفسهم انطلاقاً من هذه النصوص؟
سأعمد في هذه الدراسة إلى تحرِّي أخبار العرب الواردة في ثلاثة مصادرَ يهوديَّةٍ؛ الأوَّل هو المِشنَه (המשנה) الذي يمثِّل اللبنة الأساسيَّة للتلمود ولليهوديَّة الحاخاميَّة، ويعدُّ أوَّل تسجيلٍ للشريعة التي كانت متداولةً شفاهيَّاً في القرنين الأوَّل والثاني الميلاديَّين حتَّى دُوِّنت نحو عام 200م في فلسطين، ويشكِّل المِشنَه جزءاً أساسيَّاً من المصدرين التاليين؛ أي التلمود الأورشليمي (תלמוד ירושלמי) الذي يجمع آراء وأقوال الحكماء بشأن أحكام المِشنَه، ودُوِّن في نهايَّة القرن الرابع أو مطلع القرن الخامس الميلادي؛ والتلمود البابلي (תלמוד בבלי) الذي دُوِّن بين نهايَّة القرن الخامس ومطلع القرن السادس الميلادي في بلاد ما بين النهرين، ويتناول المسائل التي يناقشها التلمود الأورشليمي بمزيد من التفصيل.1 مويال، شمعون. التلمود – أصله وتسلسله وآدابه. الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 2004، ص22-23.وقد اعتمدت على نسخ المِشنَه والتلمود بلغتيهما الأصليَّتين، أي العبريَّة والآراميَّة، وهي نسخٌ مفتوحة المصدر متاحةٌ على الإنترنت.2المِشنَه (https://he.wikisource.org/wiki/משנה)
التلمود الأورشليمي (https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_ירושלמי)
التلمود البابلي (https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_בבלי).
العرب والإسماعيليون والطيَّايعا
ليس التلمود أوَّل الكتب اليهوديَّة التي ذكرت العرب، إذ ظهروا أوَّلاً في كتاب التوراة الذي سجَّل لنا قصص وأسماء شخصيَّات عربيَّة عدَّة، وذكر ملوك العرب (מלכי הערב) في عددٍ من المواضع. والعرب في التوراة هم أبناء إسماعيل بن إبراهيم، ومنه جاء اسم «إسماعيلي» الذي يطلقه التوراة على العربيِّ. كما يصف التوراة العرب باسم قيدار (קדר)، وهو قيدار بن إسماعيل في التوراة.3سفر التكوين 25: 13.وقد ظهر هذا الاسم تبادلياً مع اسم «عرب» في الوثائق الآشوريَّة من القرن الثامن قبل الميلاد، إذ أُطلق على زعماء المنطقة لقب «ملوك العرب» أو «ملوك قيدار».4Dumbrell, William J. The Tell El-Maskhuta Bowls and the ‘Kingdom’ of Qedar in the Persian Period. Bulletin of the American Schools of Oriental Research, no. 203, 1971, pp. 33–44.كما ظهر الاسم «عرب» بدلاً من «قيدار» في الترجمة الآراميَّة البابليَّة (ترجوم) للآية 29 من سفر أخبار الأيَّام الأوَّل التي تقول في أصلها العبري: «بكرُ إسماعيلَ: نبط، وقيدار..»، بينما تحوَّل اسم الولد الثاني في الترجوم الآراميِّ إلى عرب: «بكرُ إسماعيلَ: نبط، وعرب…».5الترجوم الآرامي لسفر أخبار الأيام الأول 1: 29.
ولم يخرج التلمودان عن هذا التقليد، إذ اعتمد الأورشليمي الاسمين عرب (ערב أو في صيغة الجمع ערביים) وإسماعيليين (ישמעאלים)، بينما أضاف البابلي الاسمين بني إسماعيل (בני ישמעאל) و«طيَّايعا» (טייעא)، وعادةً ما يُترجم الأخير إلى «طيايا» في العربيَّة. يوضِّح لنا التلمود البابلي في أوَّل فصوله أنَّ «طيَّايعا» ليس إلا اسماً آخر للعرب أبناء إسماعيل، إذ يقول:6هذا الاقتباس، وغيره من الاقتباسات التي سأوردها في هذا البحث، هي من ترجمتي للنصوص التلموديَّة المدوَّنة بالعبريَّة والآراميَّة.
مَن رأى إسماعيل في الحلم، فإن صلاته قد سُمعتْ. [نعني تحديداً] إسماعيل بن إبراهيم، وليس الطيَّايعا بشكلٍ عام.7التلمود البابلي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 56ب: 17.
تجدر الإشارة إلى أنَّ حكماء التلمود قد استخدموا هذه الأسماء بشكلٍ تبادليٍّ، إلا أنَّ الاسم «طيَّايعا» هو الأكثر شيوعاً في التلمود البابلي.
أمَّا عن معنى الاسم «طيَّايعا»، فقد ذهب الباحثون مذاهب شتَّى في تأصيله وترجمته، أشهرها القول بأنَّ أصله «طيَّايا» مشتقٌّ من اسم قبيلة «طيء» العربيَّة، وهو مرادف «عرب»،8علي، جواد. المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء 16، الفصل 137 لغات العرب. دار الساقي للطباعة، 2001، ص223.وقد ورد بهذا اللفظ في عدد من المصادر الإسلاميَّة بمعنى العرب،9القاسم بن ثابت السرقسطي، الدلائل في غريب الحديث، ت: محمَّد القنَّاص، مكتبة العبيكان، الرياض، 2001، ص478–479.كما ورد اسماً لبلدة سوريَّة في رسالة أبي عبيدة بن الجرَّاح إلى أهل «دير طيايا».10عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم أبي شيبة. المصنَّف لابن أبي شيبة، المجلَّد 11. ت: محمَّد عوَّامة. دار القبلة – مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 2006، ص272.ودرج المترجمون على تفسير ترجمتهم لهذا الاسم إلى «طيايئا/طيايا» بأنَّ الصيغة التلموديَّة كتُبت متضمِّنةً حرف العين لأنه كان يُلفظ كصوت الهمزة في اللهجات البابليَّة، ويوردون أمثلة على غرار الاسم «آسيا» الذي ورد في التلمود البابلي في صيغة «عَسيا» (עסיא).11ورد لفظ عسيا=آسيا في التلمود البابلي نحو 10 مرَّات. انظر: التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه المجلَّة (מגילה) 18ب: 13؛ سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 26أ: 8.كما أنَّ هنالك احتمالات أخرى لا تقلُّ ترجيحاً، ففي اللغة الآراميَّة التي دُوِّنت بها معظم فصول التلمود البابلي، نجد الفعل طعا (טעא) الذي يعني تجوَّل وارتحل،12Jastrow, Marcus. A Dictionary of the Targumim, the Talmud Babli and Yerushalmi, and the Midrashic Literature: With an Index of Scriptural Quotations. New York: Choreb, 1926, pp. 542.ويقابله في العبريَّة طَعَهْ (טעה) بالمعنى نفسه.13Brown, F., Driver, S. R., Briggs, C. A., Gesenius, W., & Strong, J. The Enhanced Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon: With an appendix containing the Biblical Aramaic. electronic ed. Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, 2000, pp. 940.وربَّما اختير الاسم «طيَّايعا» من هذا الفعل الآراميِّ/العبريِّ لوصف العرب الرُّحَّل في بلاد الشام ووادي الرافدين. وقد اخترت ترجمة هذه الأسماء إلى «عرب» و«عربيّ» نظراً إلى أنها أسماء متعدِّدة لمسمَّى واحد، إلا في الحالات التي يكون فيها خلاف ذلك ضرورياً.
الحياة الروحيَّة للعرب قبل الإسلام
تعرَّض التلمود لذكر العديد من العبادات المنتشرة في المنطقة، لكنه لم يولِ اهتماماً بمناقشة إيمانها واعتقاداتها وطقوسها. ومع ذلك، تتضمَّن أحكامه العديد من الإشارات التي تُمكِّننا من فهم الملامح العامَّة للحياة الروحيَّة لشعوب المنطقة في زمن التلمود، بمن فيهم العرب.
على الرغم من أنَّ المصادر الإسلاميَّة قد حرصت على ربط عرب ما قبل الإسلام بالوثنيَّة، إلا أنَّنا نجد صورة مغايرة في النقوش الأثرية التي تركها العرب في المنطقة التي تشمل اليوم جنوب سوريا والأردن والحجاز بدءاً من القرن الخامس الميلادي،14Al-Jallad, Ahmad, Sidky, Hani. A Paleo-Arabic inscription on a route north of Ṭāʾif. Arabian Archaeology and Epigraphy, 33 (2022): 202–215. https://doi.org/10.1111/aae.12203وكذلك في المِشنَه والتلمود؛ إذ استثنى الحكماء اليهود العربَ من العديد من الأحكام المتعلِّقة بالأمم،15الأمم (גוים جُويِم): كلمةٌ عبريَّةٌ تعني حرفياً الشعوب، مفردها (גוי جُوي)، ولها مرادفان تلموديان آخران هما: الغريب (נכרי) وعابد الكواكب (עובד כוכבים) وجميعها تشير إلى الوثنيين في الفقه التلمودي.بما في ذلك الأحكام المطبَّقة على مساكنهم، وقد وردت «خيام العرب» على رأس قائمة الأمكنة المستثناة من أحكام الأمم: «عشرة أمكنةٍ لا نطبِّق عليها أحكامَ دُورِ الأمم: خيام العرب…».16مِشنَه الخيام (אהלות) 18: 10.كما ميَّز التلمود بين العرب وبين «عبدة الكواكب» في عدد من أحكامه، بما في ذلك المتعلِّقة منها بالختان الذي يمثِّل علامة العهد بين الله وبني إبراهيم؛ إذ حرَّم التلمود على الإسرائيلي أن يختتن على أيدي عبدة الكواكب لأنهم غير مختونين، بينما ناقش الحكماء ما إذا كان يجوز لليهودي أن يُختن على يد عربيٍّ مختون،17التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 27أ: 8–10.ما يدلُّ على أنَّ عادة الختان كانت قائمةً بين العرب قبل الإسلام. ومن شأن التفريق في هذا الموضوع وغيره بين أحكام العرب من جهةٍ، وأحكام الأمم وعبدة الكواكب من جهةٍ ثانيةٍ، أن يشير إلى الاختلاف بين عقيدة العرب والعقائد المنتشرة في المنطقة؛ ففي نقاشه مسألة ختان الإسرائيليين على أيدي غيرهم من الشعوب، وضع التلمودُ العربَ في كفَّةٍ مقابلةٍ لكفَّة «عابدي الكواكب»، ونستدلُّ من ذلك على أنَّ العرب كانوا مجموعةً متمايزةً عن هؤلاء، وعلى أنَّ عبادة الكواكب (أي العبادات الوثنية عموماً كما تشير الأدبيات اليهودية) لم تكن العبادة السائدة بين بني إسماعيل؛ ومع ذلك قضى التلمود أخيراً بالمساواة بينهما في الحُكم، فالعرب ليسوا يهوداً بطبيعة الحال، ولا يختنُ اليهوديَّ إلا يهوديٌّ مثله.18المصدر السابق، 27أ: 10.
يورد التلمود نقاشاً آخر يشير إلى عبادةٍ رئيسيةٍ من عبادات العرب، ويُبيِّن الوضع الخاصَّ للعرب في الأحكام اليهوديَّة؛ فقد نصَّ التلمود على تحريم التعامل التجاريِّ مع الأمم في أيَّام حجِّهم وأعيادهم، مستثنياً العرب من هذا الحُكْم:
أجاز الرابي يهوذا للرابي برونا أن يبيع الخمر، وللرابي جيدل أن يبيع الحنطة للعرب في حِجَّتهم، وذلك لأنَّ حِجَّة العرب لا تُقام في موعدٍ ثابت.19التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 11ب: 10.
وتعدُّ مسألة التعامل مع الأمم في حجِّهم مسألةً حسَّاسةً بالنسبة إلى حكماء التلمود؛ إذ انتهى بعضهم إلى تحريم التعامل التجاريِّ وغير التجاريِّ مع الأمم في الأيَّام الثلاثة التي تسبق يوم الحجِّ أو العيد الوثنيِّ،20المصدر السابق، 2أ: 1.بينما وصل الأمر بآخرين إلى تحريم التعاملات مع الأمم كافَّةً لسبعة أيَّامٍ كاملةٍ (ثلاثة أيَّامٍ قبل الحجِّ، ويوم الحجِّ، وثلاثة أيَّامٍ بعده)،21المصدر السابق، 6أ: 6.لكنهم استثنوا العرب من هذا التحريم. من الجدير بالذكر أنَّ هذه هي الإشارة الوحيدة في التلمود إلى حجِّ العرب، ونفهم منها أنَّهم كانوا يتحرَّون الأهلَّة لمعرفة ميقاته، فتشدُّ الرحال إليه في أشهر شمسيَّةٍ مختلفةٍ، على غرار الحجِّ في الإسلام.
لقد ظهر العربيُّ في التلمود عارفاً بالشريعة اليهوديَّة والنبوءات التوراتيَّة، إذ يورد مِشنَه البركات قصَّةً مهمَّةً عن خراب الهيكل يضعها على لسان الرابي يودان بن أيِّيبو في معرض نقاش الاسم الذي سيحمله الملك المسيح، أقتبس منها:
كان يهوديٌّ يحرث أرضه في وادي أربل،22وادي أربِل، أو وادي الحمام، هي قرية بالقرب من جبل أربِل (في العبرية הר ארבל) في الجليل شمال بحيرة طبريَّا.وكان ثوره يخور بصوت عالٍ. مرَّ به عربيٌّ وسمع خوار الثور، فقال له: «أيُّها اليهوديُّ، أيُّها اليهوديُّ! أفلتْ ثوركَ ودَعْ محراثكَ، فقد خَرِب بيتُ المقدس». خار الثور ثانيةً، فقال له: «أيُّها اليهوديُّ، أيُّها اليهوديُّ! اربطْ ثوركَ واربطْ محراثكَ، فقد وُلِد الملكُ المسيح». فقال له [اليهوديُّ]: «ما اسمه؟»، أجابه [العربيُّ]: «مِناحِم». ثمَّ قال: «وما اسم أبيه؟». أجابه: «حزقيا». فسأله: «أين هو؟». أجابه: «في بيرة الملك، في بيت لحم يهوذا».
يتابع التلمود سرد القصَّة بإسهاب، وأختصرها بأنَّ اليهوديَّ باع ثوره ومحراثه واشترى بثمنهما أقمشةً مناسبةً للرُّضَّع، وتوجَّه نحو بيت لحم متنكِّراً كبائعٍ جوَّالٍ ليتمكَّن من مقابلة المرأة التي ولدت المسيح. وهناك التقى بها وقدَّم لطفلها هديَّةً من أقمشته بعد أن جهد في إقناعها بأنَّ الطفل مباركٌ، وليس ملعوناً كما حسبتْ هي لأنَّه وُلدَ يوم خراب الهيكل. إلا أنَّ «ريحاً خطفت الرضيع» من بين يدي أمِّه بعد أيَّام فمات، ومات معه حلم مجيء الملك المسيح. يختتم التلمود هذه القصَّة بتعليقٍ من أحد الحكماء:
قال الرابي بون: ما لنا ولهذا العربيِّ لنتعلَّم منه؟ أليست التوراة كاملةً؟ [ألم يُكتب في التوراة]: «بيدِ ذي بطشٍ يسقطُ لبنانُ»؟ ألم يُكتب في التوراة: «ويخرج غصنٌ من جذع يسَّى»؟23التلمود الأورشليمي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 2: 4: 12.
توضِّح هذه القصَّة الصورة التي رسمها حكماء التلمود للعرب آنذاك، فهم مطَّلعون على النبوءات التوراتيَّة وتفسيراتها التلموديَّة، إذ يعدُّ حكماء التلمود الآيتين التوراتيَّتين اللتين ذكرهما الرابي24سفر إشعيا 10: 34 و11: 1.نبوءةً عن خراب الهيكل (الذي يُطلِق عليه التلمود اسم لبنان، أي الأبيض) وعن ولادة الملك المسيح بعد خرابه. وهذا يتطابق مع ما قاله العربيُّ في القصَّة للفلَّاح اليهوديِّ، إذ فسَّر خوار الثور كإشارةٍ سماويَّةٍ إلى تحقُّق نبوءة خراب بيت المقدس، وفسَّر خواره ثانيةً كبشارةٍ بولادة الملك المسيح «مناحم»،25مناحم: أي المُعزِّي في لغات سامية عديدة، بما فيها الأوغاريتيَّة والعبريَّة والآراميَّة، وهو اسمٌ كان بعض الحكماء قد تنبَّأ بأنه سيكون اسم الملك المسيح.ما قد يشي بمعرفة العرب بنبوءات الحكماء اليهود واطِّلاعهم على أسفار التوراة.
أمَّا من عن آلهة العرب، فلم يُعنَ التلمود بذكر أسمائها ولا أوصافها، إلا أنه تضمَّن إشاراتٍ تفيد بأنَّ العرب قد عبدوا إله اليهود نفسه وصلَّوا باستخدام العبارات والألقاب الإلهيَّة التي يستخدمها بنو إسرائيل، بما في ذلك ما أورده التلمود البابلي عن وفاة الرابي سموأل بن نحماني (שמואל בן נחמני):
في اليوم الذي ارتاحت فيه نفسه، هبَّتْ عاصفةٌ على عربيٍّ كان راكباً على جمل، فرفعتْه الريح من ضفَّة النهر إلى الأخرى، فقال [العربيُّ]: «ما الذي يحدث؟». أجابه الحاضرون: «ارتاحت اليوم نفس الرابي ابن نحماني». فنظر إلى السماء وقال: «ربَّ العالَم، كلُّ العالم في يدك، والرابي ابن نحماني في يدك. أنت [تحبُّ] الرابي، و[ها قد أصبح] الرابي في يدك، فلماذا إذاً تخرِّبُ العالم من أجله؟» فهدأت العاصفة.26التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوسط (בבא מציעא) 86أ: 11.
خاطب العربيُّ في هذا النصِّ إلهاً واحداً، هو إلهه وإله الرابي الراحل، وقد وضع الراوي على لسانه عبارةً تلموديَّةً معروفةً هي ربُّ العالم (רבונו של עולם)؛ إذ وردت هذه العبارة على ألسنة الحكماء في التلمود مرَّات لا تُحصى في صيغتين، الأولى كما سبق، والثانية ربَّ العالمين (רבון העולמים)، بما في ذلك في قصَّة معراج موسى27التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 88ب: 7–8، 89أ: 1– 6.التي خاطب فيها النبيُّ الكليم ربَّه بهذه العبارة، واستخدم الملائكة فيها التعبير نفسه لمخاطبة الله.
كما نفهم من بعض الإشارات أنَّ العرب كانوا يقدِّمون القرابين والهدايا لإله اليهود، كما في القصَّة التلموديَّة التي تتحدَّث عن عربيٍّ اسمه «شَعْزَرَق» كان يتردَّد على كنيس الرابي يهوذا، وأهدى الكنيس سِراجاً28استخدم الكاتب كلمة שרגה الآرامية، وتقابلها سراج في اللغة العربية، إلا أن المترجمين غالباً ما يترجمونها إلى شمعدان. وقُبل منه،29التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه التقديرات (ערכין) 6ب: 6–7.وفي هذا مخالفةٌ صريحةٌ للنصوص التلموديَّة التي تُحرِّم قبول تبرُّعات وتقدمات الأمم لبيت المقدس أو الكنيس،30المصدر السابق، 6أ: 3؛ سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 153ب: 2الأمر الذي يدلُّ مرة أخرى على أنَّ اليهود لم ينظروا إلى العرب نظرتهم إلى الأمم أو الوثنيِّين. وحول قصَّة شعزرق هذا، فقد استخدم الرابي رحبا السراج لغرضٍ آخرَ لا يطابق الغرض الذي كان شعزرق ينويه، فغضب الرابي رَبَا عليه. وتُفسِّر الجِمَرَه رأي كلٍّ من الحكيمين بأن رحبا الذي غيَّر استخدام السراج لم يحسب أنَّ العربي سيعلم بالأمر لأنَّه لا يقيم في المدينة نفسها. بينما ارتأى رَبَا خلاف ذلك، فالعربي كثيراً ما يتردَّد على الكنيس، وسيعلم بالتغيير لا محالة.
وفي التلمود قصَّةٌ فريدةٌ تُبيِّن «حميَّة العرب» وموقفهم ممَّا عدُّوه إهانةً للإله:
كان رجلٌ يهوديٌّ يصلِّي وراء الكنيس وقد أعطى ظهره له. مرَّ به عربيٌّ، فقال: «أهكذا تقوم أمام ربِّكَ يا ولد؟» ثمَّ استلَّ سيفه وقتله.31التلمود البابلي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 6ب: 20.
تختلف نسخ التلمود في إيراد هذه القصَّة، فبعضها يجعل من بطلها شخصيَّةً عربيَّةً كما أسلفنا، بينما تُقحم أخرى اسم النبيِّ إيليَّا (إليَّاهو אליהו) الذي كان متنكِّراً بلباسٍ عربيٍّ: «… مرَّ به إيليَّا [متخفِّياً] بهيئة عربيٍّ». ويرى باحثون أنَّ الرواية الأولى هي الأصليَّة، وأنَّ الحكايَّة نُسبت إلى النبيِّ إيليَّا في زمنٍ متأخِّر.32Kalmin, Richard. Sages, Stories, Authors, and Editors in Rabbinic Babylonia. Atlanta, GA, 1994, pp. 266.كما أنَّ الرابي شلومو يِصحَقي (שלמה יצחקי) – الذي يعدُّ أحد أبرز حكماء اليهود في العصور الوسطى – كتب في تفسير هذه الواقعة: «مرَّ به أحد الطيَّايعا، أي تاجرٌ عربيٌّ».33تفسير راشي لمِشنَه البركات (רש”י על ברכות) 6ب: 20: 1.على أيَّة حال، تتبنَّى هذه القصَّة صورةً نمطيَّةً معروفةً عن العرب، وهي تُظهر – إلى جانب رواياتٍ أخرى في التلمود – أنَّ سيف العربيِّ أسبق من لسانه؛ فما إن رأى بطلُ القصَّة رجلاً لا يقدِّرُ اللهَ حقَّ قدره حتى سارع إلى قتله واستباحة دمه. كما تشير من جديدٍ إلى أنَّ العرب كانوا ينظرون إلى إله اليهود كإلهٍ للعرب أيضاً؛ وإلا، ما الذي دفع بالعربيِّ إلى التنكيل برجلٍ أهان إلهاً غريباً؟
وعلى الرغم من أنَّ التلمود قد أغفل ذكر طقوس العرب الدينيَّة بشكلٍ عام، إلا أنه لم يغفل الإشارة إلى اشتغالهم بالسحر وإلى قدراتهم في هذا المجال، وقد انتهى حكماء التلمود إلى اعتبار المعجزات التي يأتي بها العرب نوعاً من الشعوذة. من أبرز هذه الإشارات نصٌّ يتحدَّث عن طقسٍ عربيٍّ شهده أحد هؤلاء الحكماء:
قال الرابي حيَّا: «رأيت بنفسي أحد العرب وقد استلَّ سيفه وقتل جمله، [ثمَّ] ضرب على طبلةٍ فقام [الجمل]». قال له الرابي راب: «هل رأيتَ دماً ينفر منه؟ ليس هذا إلا ضرباً من الحيل البصريَّة».34التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 67ب: 17.
لا يمدُّنا النصُّ بأيَّة تفاصيل من شأنها أن تلقي مزيداً من الضوء على هذا الطقس، إلا أنَّ مسألة قيامة الموتى كانت ذات أهمِّيَّةٍ كبيرةٍ في زمن تحرير التلمود،35انظر (على سبيل المثال): مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 10: 1؛ التلمود البابي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 2أ: 1.لذا فإنني لا أستبعد أن يكون طقساً يُحاكي فيه المشاركون قيامة الأموات، إذ ينخُّ الجمل بأمرٍ من مدرِّبه مع ضربة السيف، ثمَّ يقوم مع ضربة الطبل حيَّاً من جديد، وهو أمرٌ لا يصعب على مدرِّبي الإبل والجمال حتى يومنا هذا.
الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة
يُقدِّم التلمود مشهداً مشابهاً لما نجده في التقليد الإسلامي وكتب التراث لحياة العرب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة قبل الإسلام، فقد ذكر حكماء التلمود في عددٍ من النصوص اشتغال العرب بتربية الإبل،36التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 155ب: 4؛ سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوَّل (בבא קמא) 55أ: 10.وبتربية الأغنام ورعيها،37التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأخير (בבא בתרא) 36أ: 11–12.كما كان اليهود يوكلون مهمَّة رعي قطعانهم إلى جيرانهم العرب، ويتعلَّمون منهم أسماء أنواع الأغنام المختلفة.38التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه البواكير (בכורות) 44أ: 18؛ سدر الأعياد، مِشنَه رأس السنة (ראש השנה) 26أ: 17.وتشير قصَّةٌ مهمَّةٌ إلى «قطعان العرب» المنتشرة على مقربةٍ من أورشليم، والتي كان فقراء اليهود يخرجون وراءها:
حدث مع الرابي يوحنان بن زكَّاي أن كان خارجاً من أورشليم راكباً على حماره، وكان تلاميذه يسيرون وراءه، فرأى امرأةً يهوديَّةً تُلقِّط حبَّات الشعير من بعر (روث) بهائم العرب.39التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات – عقود الزواج (כתובות) 66ب: 11.
ويختتم التلمود هذه الرواية بتعليق لاذع من يوحنان بن زكَّاي، سأعود إليه في سياق الحديث عن العلاقات اليهوديَّة-العربيَّة.
إضافةً إلى الرعي، لدينا عددٌ من الإشارات الأخرى التي تربط العرب بالزراعة، أبرزها قصَّة عربيٍّ اسمه «عُدَيّ» ذرَّت الريحُ محصولَه من القمح، فغطَّى «مساحة ثلاثة فراسخ بارتفاع شبر»،40التلمود البابي، سدر القرابين، مِشنَه المِنَح – التقدمات (מנחות) 69ب: 6.وفي هذه المبالغة ما يشير إلى ازدهار زراعتهم ووفرة محاصيلهم.
ومع ذلك، فإنَّ معظم الإشارات التلموديَّة إلى مهن العرب تتمحور حول ثلاث مهنٍ يبدو أنَّ العرب قد اشتهروا بها بين اليهود، أوَّلها التجارة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بصورة العربيِّ في التلمود، إذ يظهر العربيُّ بائعاً للخيول والحمير والجمال في العديد من المواضع، كما في قصَّة تلاميذ الرابي شمعون بن شطح (שמעון בן שטח) الذين اشتروا حماراً من تاجرٍ عربيٍّ لتقديمه هديَّةً لمعلِّمهم، فوجدوا حُليَّةً معلَّقةً عليه. سألهم الرابي إن كان البائع عالماً بوجودها، فأجابوا بالنفي، ما دفعه إلى طلب إرجاعها إلى البائع في الحال.41التلمود الأورشليمي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوسط (בבא מציעא) 2: 5: 3.تعدُّ هذه القصَّة مثالاً آخر على التفريق بين أحكام العرب والأمم، فالتلمود وإن كان يُحرِّم السرقة من الأمم، إلا أنه يجيز لليهوديِّ الاحتفاظ بمفقوداتهم التي يجدها،42التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوَّل (בבא קמא) 113ب: 7.وهذا ما حاجج به تلاميذ الرابي شمعون؛ فحُكم المفقودات ينطبق على الحليَّة التي وُجدت معلَّقةً على الحمار، إلا أنَّ الرابي أصرَّ على إرجاعه.
ولم يقتصر العمل التجاريُّ على الرجال العرب وحدهم؛ إذ يذكر التلمود البابليُّ حادثةً وقعت بين الرابي أبَّاي بن كيَّليل (אביי בן כייליל) وتاجرةٍ عربيَّةٍ كانت تعرض في السوق كيساً من أربطة وصناديق التفيلين،43التفيلين (תפלין): صندوقان من الجلد الحلال يحتويان آيات توراتية، يربطهما اليهود حين الصلاة، أحدهما على الجبهة، والثاني على الذراع الأيسر ممَّا يلي مستوى القلب.وقد حاول الرابي شراءها منها بثمنٍ بخس، ما أغضب المرأة ودفعها إلى رمي كيسها في النهر.44التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه صكوك الطلاق (גיטין) 45ب: 12.وعلى الرغم من أنها الإشارة الوحيدة في التلمود إلى امتهان نساء العرب للتجارة، إلا أنها تنطوي على الكثير من المعلومات المهمَّة؛ إذ توضِّح أنَّ المرأة قد خرجت في تجارتها بمفردها، وكانت تحمل بضاعتها بنفسها في كيس، ما يشير إلى سكنها على مقربةٍ من مساكن اليهود، أو بينهم، فلا حاجة إلى الاستعانة بحيوانٍ لنقلها أو لحمل بضائعها. كما يمكننا فهم أنَّ العرب قد امتهنوا الصناعات اليدويَّة والحرفيَّة الدقيقة، بما في ذلك التفيلين الواردة في القصَّة، والتي تُصنع صناديقها وأربطتها من جلد حيوانٍ طاهرٍ واحدٍ، عادةً ما يكون عجلاً، ووفقاً لقواعد صارمة نصَّ عليها التلمود البابلي تُحدِّد مقاساتها الدقيقة وطريقة صبغها بأصبغة سوداء خاصَّة، وما إلى ذلك.45التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه المِنَح – التقدمات (מנחות) 34ب-37ب.
وعلى غرار صورته في الأدب العالمي، تقترن صورة العربيِّ في التلمود بالصحراء والقوافل والجمال، إذ يحفل بقصص الحكماء اليهود الذين اعتمدوا على دليلٍ عربيٍّ لإرشادهم إلى وجهاتهم في الصحراء، أبرزها نصٌّ طويلٌ يتناول مشاهدات الرابي رَبَّه بن ابن حنا (רבה בן בן חנה) في أسفاره، يقول الرابي فيه:
في إحدى أسفاري في الصحراء، رأيتُ عربيَّاً يحمل الرمل بيده، ثم يشمُّه، فيستدلُّ بذلك على الجهات، ويقول: هذا اتِّجاه المكان الفلاني، وذاك اتِّجاه المكان الفلاني. سألناه: «كم نبعد عن الماء؟» قال: «أعطوني رملاً». أعطيناه، فأجاب: «ثمانية فراسخ». سألناه ثانيةً [في وقت لاحق] وأعطيناه رملاً، فقال: «ثلاثة فراسخ». وقد حاولتُ أن أمتحنه، فلم أقدر عليه.46التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأخير (בבא בתרא) 73ب: 10.
يتابع الحكيم رَبَّه توثيق مشاهداته في الفصل التالي من الكتاب، إذ عرض عليه العربيُّ أن يُريه «موتى الصحراء»، يقصد بني إسرائيل الذين ماتوا في سيناء بعد الخروج، ثمَّ مضى به إلى جبل سيناء حيث خاطب الله موسى وشعبه، ثمَّ إلى موضع «مبلوعي قورح»، في إشارة إلى قورح وصحبه الذين تمرَّدوا على موسى وهارون فابتلعتْهم الأرض، حيث دعاه العربيُّ إلى سماع أصوات نواحهم وصراخهم من شقٍّ في أرض الصحراء:
قال [العربيُّ]: «أنصتْ... ما سمعتَ؟». قلتُ: «سمعتُ صوتاً يقول: موسى وتوراته حقٌّ، ونحن كاذبون». فقال لي: «مرَّةً كلَّ ثلاثين يوماً تُعيدُهم جهنَّمُ إلى هذا الموضع... فيُنادُون [هكذا]»...47المصدر السابق، 74أ: 1 و3 و5.قال لي [العربيُّ]: «تعالَ لأريكَ أينَ تُقبِّل الأرض والسماء إحداهما الأخرى». وعندما وصلنا، حملتُ سلَّتي ووضعتها في كُوَّة السماء. بعد أن صَلَّينا، نظرتُ [صوب السلَّة] فلم أجدها. فسألته: «هل يوجد لصوص هنا؟». قال: «إنها عَجَلة السماء، وقد دارت. انتظرْ حتى الغد وستجدها».48المصدر السابق، 74أ: 6.
بصرف النظر عن التفاصيل العجيبة في قصص الرابي، فإننا نفهم أنَّ العربيَّ قد اشتُهر بين حكماء التلمود ببراعته كدليلٍ في الصحراء، فاعتمدوا عليه لإرشادهم في أسفارهم ورحلات حجِّهم إلى سيناء وغيرها. كما أنَّ الرابي ذكر في قصَّته أنَّ الدليل العربيَّ هو من اقترح زيارة تلك المواضع، ما يدلُّ على معرفته بالمواقع المقدَّسة عند اليهود، وبالنصوص التوراتيَّة المرتبطة بها. تجدر الإشارة إلى أنَّ الرابي كان وحيداً حين رافق الدليل إلى موضع التقاء الأرض بالسماء، لذا فإنَّ قوله «صَلَّينا» في صيغة الجمع يشير إلى صلاتهما معاً.
إضافةً إلى المهن التي سبق ذكرها، يبدو العربيُّ في التلمود عارفاً بالطبِّ الشعبيِّ وبأسرار النباتات والأعشاب. وقد أقرَّ الحكماء بنجاعة الوصفات الطبِّيَّة التي تعلَّموها من العرب، فسجَّلوها وأوصوا تلاميذهم بها. ففي معرض نقاشه أمراض القلب، يورد التلمود عدداً من الوصفات التي كانت شائعةً، ثمَّ يُعدِّد الطريقة التي اعتمدها كلٌّ من الحكماء لإعداد هذه الأدوية، قبل أن يختتم النقاش بتعليق أحدهم:
قال الرابي فَفَّا: لقد صنعتُ كلَّ هذه [الأدوية] ولم أتعافَ من المرض، حتَّى قال لي عربيٌّ: «ائتِ بكوزٍ حديثٍ، واملأه ماءً، وارمِ فيه غَرفةً من العسل، واتركه تحت النجوم [ليلةً كاملةً]، وفي الصباح اشربه». فعلتُ هكذا، فشُفيتُ.49التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 29أ: 6.
وتتكرَّر عباراتٌ من قبيل «لمَ أتعافَ حتَّى قال لي عربيٌّ» مراراً على ألسنة حكماء التلمود، إذ اعتمدوا الأدوية التي تعلَّموها من العرب لعلاج عددٍ من الأمراض، مثل المشاكل المعويَّة،50التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 82أ: 6.واليرقان،51المصدر السابق، 110ب: 5.وأمراض اللثَّة والأسنان،52المصدر السابق، مِشنَه اليوم (יומא) 84أ: 6.وكلُّها أدويةٌ من الطبِّ الشعبيِّ مصنوعةٌ من مركَّباتٍ عشبيةٍ وما شابه ذلك.
لم يتطرَّق التلمود مباشرةً إلى عادات وتقاليد عرب ما قبل الإسلام، ولكن في وسعنا تشكيل صورةٍ مبسَّطةٍ بفضل بعض الإشارات المتفرِّقة. فإضافةً إلى مسألتَي الحجِّ والختان اللتين تقدَّم بحثهما، أشار التلمود إلى بعض التقاليد والعادات المنتشرة في المنطقة في نقاشه مسائل الزواج والمهر، ونقل الرابي سموأل بن نَحْماني عن الرابي يوحنان بن نفَّحا (יוחנן בן נפחא) أنَّ العرب قد اعتادوا دفع مهور النساء بغير المال:
انتهج العرب دفع مهر المرأة بالتوابل والجِمال.53التلمود الأورشليمي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات (כתובות) 10: 3: 2.
وفي معرض تحديد اللباس الذي يُسمح لليهود بارتدائه يوم السبت، يعدِّد مِشنَه السبت الملابس المتنوِّعة التي ارتدتها النسوة في تلك المرحلة (نحو القرن الثاني الميلادي)، ومن بينها ملابس العربيَّات:
البنات [الصغيرات] يخرجن بشرائط ورقائق [تتدلَّى] من آذانهنَّ، والعربيَّات يخرجن ببراقعهنَّ.54مِشنَه السبت 6: 6.
وفي تفسير هذا النصِّ، يتَّفق معظم الحكماء اليهود على أنَّ كلمة «العربيَّات» تعني اليهوديَّات اللواتي يعشن في بلاد عربيَّة، إذ يجيز لهنَّ المِشنَه تغطية وجوههنَّ بالبرقع احتراماً للتقاليد السائدة بين العرب، ويُفسِّرون البرقع بأنه «وشاحٌ يغطِّي وجه المرأة باستثناء العينين، على طريقة النساء العربيَّات».55تفسير الرابي عوبديه لمِشنَه السبت (ברטנורא על משנה שבת) 6: 6: 5–6. تجدر الإشارة إلى أنَّ تفسير الرابي عوبديه بن إبراهيم معتمدٌ في معظم طبعات كتاب المِشنَه التي نُشرت منذ عام 1548م، وقد اعتمد في تفسيره للمِشنَه على تعاليم الرابي موسى بن ميمون (משה בן מימון) وآراء حكماء التلمود الأكثر قبولاً.كما يناقش التلمود البابلي أنواع الأحذية التي يُسمح للرجال بانتعالها يوم السبت، ويذكر بينها «الصندل العربيَّ» الذي كان طرازاً معروفاً عند حكماء التلمود، فاستخدموه للقياس عليه في هذا النقاش.56التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 112أ: 6.وفي نصٍّ آخر، يشير التلمود إلى أنَّ العرب اشتهروا بلبس السواد، إذ يضرب الرابي عولا بن إسماعيل (עולא בן ישמעאל) مثلاً بملابس العربيِّ السوداء في معرض شرحه المقصود باللون الأسود في مسائل طهارة الدم في التلمود.57التلمود البابلي، سدر الطهارات، مِشنَه الحيض (נדה) 20أ: 7.
العلاقات اليهوديَّة-العربيَّة
تبدو العلاقة بين العرب واليهود في النصوص التلموديَّة وثيقةً في زمن تأليف التلمود وتحريره؛ إذ جمعت بينهم علاقاتٌ تجاريَّةٌ متبادلةٌ، واعتمد اليهود على العرب لإرشادهم في الصحراء، وعلى رعاتهم للاعتناء بأغنامهم، وعلى تجَّارهم لشراء الحيوانات المختلفة. كما لجأ الحكماء اليهود إلى الأطبَّاء العرب لعلاج ما استعصى عليهم من أمراض، وأوصوا تلاميذهم بالوصفات التي تعلَّموها منهم.
علاوةً على ذلك، يذكر التلمود استعانة حكمائه باللغة العربيَّة لفهم الآيات التوراتيَّة الغامضة، بما في ذلك ما يورده التلمود البابلي بشأن تفسير الآية 22 من المزمور 55:
لم يكن الحكماء يعرفون معنى الكلمة [يهبك] في الآية، حتى قال الرابي رَبَّه بن ابن حنا: في أحد الأيَّام كنت مسافراً برفقة عربيٍّ، وكنت أحمل حملاً ثقيلاً، فقال لي: «ارفعْ يَهْبَكَ وضعْه على جملي»، [ففهمت أنَّ يهبك في الآية تعني: حِملكَ].58التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه رأس السنة (ראש השנה) 26ب: 6.
ويربط الحكماء كلمة «يهب» بالجذر العربيِّ «وهب» استناداً إلى هذه القصَّة، وذلك بعد القلب الواو إلى ياء تماشياً مع تقليد قلب الواو في فاء الفعل المعتلِّ في العربيَّة إلى ياء في العبريَّة، على غرار كلمات (وَلَد، وَثَب، وَرَد) في العربيَّة، التي تصبح (يِلِد ילד، يِشِب ישב، يِرِد ירד) في العبريَّة. كما اشتُهر الرابي لِوِي بن حما (לוי בן חמא)، أحد حكماء التلمود، بتفسير التوراة وفقاً للغة العربيَّة، إلا أنَّ معظم تفسيراته سُجِّلت في كتب المدراش لا في التلمود.59انظر (على سبيل المثال): مدراش اللاويين ربَّه (ויקרא רבה) 1: 3: 3؛ مدراش نشيد الأنشاد ربَّه (שיר השירים רבה) 4: 1: 3.تجدر الإشارة إلى أنَّ حكماء المدراش قد أنزلوا العربيَّة منزلةً خاصَّةً، ويرجع ذلك إلى اعتماد حكماء التلمود عليها في تفسير التوراة، وإلى قربها من «اللسان المقدَّس»،60تعليق إيليا رَبَّه على كتاب الطاولة المجهَّزة (אליה רבה על שלחן ערוך אורח חיים) 101: 9.أي العبريَّة. وتتضَّح مكانة اللغة العربيَّة عند حكماء اليهود في نصٍّ فريدٍ في المدراش يعدُّ العربيَّة بين اللغات الأربع التي نزلت بها التوراة:
عندما تجلَّى القدُّوسُ، مباركٌ هو، ليعطي التوراة لإسرائيل، لم يتجلَّ بلسانٍ واحدٍ فقط، بل بأربعة ألسنة: ... هذا اللسان العبري... وهذا اللسان الرُّومي... وهذا اللسان العربي... وهذا اللسان الآرامي.61مدراش أسفار الكلام (التثنية) (ספרי דברים) 343: 4.
ولم تقتصر العلاقات بين العرب واليهود على العامَّة والتجَّار وبعض الحكماء اليهود، إذ أورد التلمود الأورشليميُّ قصَّةً حول الكاهن الأكبر شمعون بن قمحيت (שמעון בן קמחית):
شمعون بن قمحيت خرج ليتحدَّث مع ملكٍ عربيٍّ مساء يوم الغفران ساعة الغروب، فخرجت تفافةُ ريقٍ من فم [الملك] وسقطت على ثوب [شمعون] ونجَّسته. فدخل يهوذا أخوه [إلى قدس الأقداس] وتولَّى الكهانة بدلاً منه، فرأت أمُّهما اثنين من أبنائها في لباس الكاهن الأكبر في يوم واحد.62التلمود الأورشليمي، سدر الأعياد، مِشنَه المجلَّة (מגילה) 1: 10: 6.
تتكرَّر هذه الرواية في التلمود البابليِّ باختلافٍ واحدٍ أطاح بتاج الملك: «كان [شمعون] يتحدَّث مع عربيٍّ في السوق…».63التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه اليوم (יומא) 47أ: 11.وتعدُّ هذه الحادثة، التي أدَّت إلى صعود كاهنين أخوين إلى منصب الكاهن الأكبر في يومٍ واحدٍ، إحدى «معجزات بيت المقدس» كما يُسمِّيها التلمود.64المصدر السابق.وعلى الرغم من أنَّ تعبير «الملك العربيّ» يندر ذكره في التلمود، إلا أنه تعبيرٌ شائعٌ في التوراة، كما أنه شائعٌ في كتب المدراش وغيرها، إذ أورد التقليد اليهوديُّ العديد من القصص التي تجمع بين كبار الحكماء والكهنة اليهود وبين ملوك العرب، أبرزها قصَّة تجمع بين الرابي عقيبة بن يوسف (עקיבא בן יוסף)، أحد أبرز حكماء المِشنَه والتلمود، وملكٍ عربيٍّ لم يسمِّه النصُّ؛ إذ استعان الملك بالرابي عقيبة لحلِّ مشكلةٍ شخصيَّة.65مدراش تنحوما (מדרש תנחומא)، نسا (נשא) 7: 1.وبصرف النظر عمَّا إذا كان العربيُّ الذي قابله شمعون بن قمحيت في السوق ملكاً أم لا، فإنَّ القصَّة تشير إلى أنَّ العلاقات بين اليهود والعرب كانت على أرفع المستويات، فالحديث هنا عن الكاهن الأكبر الذي كان يتمتَّع بمكانةٍ مرموقةٍ جدَّاً في المجتمع اليهودي، ومع ذلك يبدو أنَّه كان يجد الوقت لمخاطبة ملك عربيٍّ، أو حتَّى مجرَّد رجلٍ عربيٍّ في السوق، حتَّى في أثناء استعداداته لقيادة طقوس أحد أهمِّ الأعياد اليهوديَّة.
ومع ذلك، لم تكن العلاقات بين اليهود والعرب ورديَّةً دائماً، إذ يشير التلمود في العديد من المواضع إلى التوتُّرات التي حدثت بينهم، والتي يبدو أنها وصلت في بعض الأحيان إلى حدِّ المواجهة. أبرز هذه النصوص ما جاء في التلمود البابليِّ في معرض مناقشة أحكام السبايا اليهوديَّات؛ فالتلمود يُحرِّم على الكاهن الزواج من زانيةٍ أو مُغتصَبةٍ أو مُطلَّقة، وقد رأى بعض الحكماء أنَّ حُكم الـمُغتصَبة يشمل السبيَّة لأنَّها غالباً ما تُغتصَب على أيدي جنود العدوِّ، بينما اعترض آخرون على ذلك، بمن فيهم دوسا بن هركينس (דוסא בן הרכינס):
قال الرابي دوسا: «وما فعل لها هذا العربيُّ؟ أَلأنه دعَكَ بين ثدييها نُخرجها من الكهانة؟».66التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه صكوك الطلاق (גיטין) 81أ: 12.
نتبيَّن من هذا النصِّ أنَّ العربيَّ قد اقترن في أذهان حكماء التلمود بالغزو والسبي، فعلى الرغم من أنَّ النصَّ لم يكن يتناول العرب بالذات، إلا أنَّ الرابي استخدم كلمة «عربيّ» وكأنَّ البداهة تفترض أنَّ المرأة اليهوديَّة لن تُسبى إلا على أيدي العرب، ما يشير إلى شيوع الغزوات والمعارك بين الطرفين، وهو أمرٌ يُفسِّر إحدى صور العرب التي تبنَّاها التلمود، إذ ظهر العربيُّ فيه محارباً راكباً على جمله وحاملاً رمحه.67التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 22ب: 18.ومع ذلك، يشكِّل كلام الرابي دوسا نوعاً من الدفاع عن العرب، فهو وإن افترض أن السابي عربيٌّ، إلا أنه افترض كذلك أنَّ هذا العربيَّ لا يغتصب سبيَّته، وإن وصل به الأمر إلى تفحُّص جسد «غنيمته» على عادة تُجَّار العبيد.
ونلاحظ جانباً آخر لهذه النظرة السلبيَّة إلى العرب في خاتمة القصَّة التي استشهدتُ بأوَّلها سابقاً في سياق الحديث عن «بهائم العرب» وقطعانهم حول أورشليم. فبعد أن يذكر التلمود لقاء الرابي يوحنان بن زكَّاي بالمرأة اليهوديَّة الفقيرة التي كانت تلتقط حبَّات الشعير من روث بهائم العرب، يختتم القصَّة بتعليقٍ حادٍّ يجعل من العرب وبهائمهم مقياساً للمهانة التي يمكن أن يبلغها بنو إسرائيل إذا حادوا عن الصراط المستقيم:
قال [يوحنان] لتلاميذه: «أنا أذكر أنني ختمتُ على عقد زواجها، وقرأت أنَّ مهرها ألفُ ألفِ دينارٍ ذهباً، من بيت أبيها وحده فضلاً عن [مهر] حميها». بكى الرابي يوحنان بن زكَّاي وقال: «طوبى لكم يا بني إسرائيل! حين يعملون برضوان الله (يتَّبعون وصاياه) لا تُسلَّط عليهم أُمَّةٌ ولا لسان، وحين لا يعملون برضوان الله يُسلَّمون ليد أُمَّة سافلة، وليس فقط ليد أُمَّة سافلة، بل لبهائم أُمَّة سافلة».68التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات – عقود الزواج (כתובות) 66ب: 11.
أمَّا فيما يتعلَّق بإحدى أكثر المسائل أهمِّيَّةً في الإيمان اليهوديِّ، أي «أرض كنعان» التي أورثها الله لإبراهيم ونسله، فيسجِّل لنا التلمود حادثةً جرت بعد سيطرة الإسكندر المقدوني على المنطقة، إذ مَثُل العربُ أمامه مطالبين إيَّاه بإعطائهم حصَّتَهم من ميراث أبيهم إبراهيم:
جاء بنو إسماعيل وبنو قطوره ليقاضوا شعب إسرائيل أمام الإسكندر المقدوني. قالوا [لليهود] أمامه: «أرض كنعان لنا ولكم. أليس مكتوباً [في التوراة]:69سفر التكوين 25: 12؛ 25: 19.هذه سلالة إسماعيل بن إبراهيم الذي ولدته هاجر المصريَّة خادمة سارة لإبراهيم؟ وهذه سيرة إسحاق بن إبراهيم؟».70التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 91أ: 14.
يكتسي هذا النصُّ أهمِّيَّةً خاصَّةً لسببين؛ أوَّلهما أنه يشير إلى أنَّ الصراع العربيَّ-اليهوديَّ على أرض كنعان قد بدأ قبل قرونٍ من ظهور الإسلام على مسرح التاريخ، والثاني لكونه يشير مجدَّداً إلى معرفة العرب القدماء بأسفار التوراة، وبالوعود الإلهيَّة «لإبراهيم ولنسله من بعده» وفقاً لتعبير التوراة. وقد اتَّفق كلٌّ من العرب واليهود في هذا النصِّ على الرواية التوراتيَّة فيما يتعلَّق بنسل إبراهيم وانتسابهم إليه، إلا أنَّ حكماء التلمود أجمعوا على أنَّ إرث إبراهيم كان لابنه إسحاق دون أخيه الأكبر إسماعيل الذي اقتصر ميراثه على «العطايا» بحسب التعبير التوراتي. وهذا ما حاجج به الرابي جبيها بن فسيسا (גביהא בן פסיסא) أمام الإسكندر المقدوني:
قال [جبيها للعرب]: «ما دليلكم؟». أجابوه: «التوراة دليلنا». قال لهم: «وأنا أيضاً لن آتي بدليلٍ إلا من التوراة. ألم يقل [الله في التوراة]: وأعطى إبراهيمُ إسحاقَ كلَّ ما كان له، وأمَّا بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا؟».71المصدر السابق، 91أ: 16.
وعلى الرغم من توتُّر العلاقات العربيَّة-اليهوديَّة في مراحل متعدِّدة، إلا أنَّ التلمود يورد إشارات إلى تفضيل اليهود للعرب على غيرهم من الشعوب؛ فعندما اقتحمت جيوش نبوخذ نصَّر بلاد الشام، يذكر التلمود استجارة اليهود بجيرانهم من العرب ولجوئهم إليهم، وإن كانت هذه الرواية تنطوي في نهايتها على اتهام العرب بالغدر بضيوفهم:
قال ربي يوحنان:« ثمانون ألف كاهنٍ شابٍّ فرُّوا من أمام جيوش نبوخذ نصَّر ولجأوا إلى العرب».72التلمود الأورشليمي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 4: 5: 19.
وفي موضع آخر، أشار التلمود إلى أنَّ معاملة العرب لليهود كانت أفضل من معاملة بقيَّة الأمم لهم، حتى في حالة تسلُّط العرب عليهم. ينقل التلمود عن الرابي أبا بن أيبو (אבא בן איבו) المعروف بلقب «راب»، أي السيِّد أو المعلِّم، تفضيله للعرب على غيرهم من الأقوام التي وصفها بكلمة «الغريب»:
قال راب: «تحت [رحمة] العربيِّ ولا تحت [رحمة] الغريب».73التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 11أ: 3.
خاتمة
لم يكن حكماء التلمود يقصدون توثيق حياة العرب وأحوالهم في نصوصهم الفقهيَّة والقصصيَّة، غير أنَّ هذه النصوص، على الرغم من طبيعتها التشريعيَّة والأدبيَّة التي تعكس في المقام الأوَّل «تصوُّرات» الحكماء اليهود حول العرب، تحفل بإشاراتٍ متفرِّقةٍ إليهم بين الأحكام الدينيَّة. ومن خلال الجمع بين هذه الإشارات، يمكننا رسم صورةٍ عامَّةٍ للعرب الذين عاشوا بين القرنين الثالث والخامس الميلاديين، أي في فترة تحرير كتاب المِشنَه ثمَّ التلمودين الأورشليمي والبابلي، وهي مرحلةٌ حسَّاسةٌ في تاريخ العرب، وتندر المصادر التاريخيَّة التي تتناولها.
تكشف هذه الصورة عن ملامح الحياة الروحيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة لعرب ما قبل الإسلام كما رآهم الحكماء اليهود؛ من الحجِّ والختان وعبادة الإله الواحد، إلى الرعي والتِّجارة والطبِّ الشعبيِّ وشبكات الجوار والتعامل اليوميِّ مع اليهود. وعلى الرغم من أنَّ هذه الصورة لا تختلف اختلافاً جذريَّاً عمَّا ترسمه مصادرُ أخرى عن عرب ما قبل الإسلام، إلا أنَّها تضيف إضاءاتٍ مفصليَّةً، لاسيَّما حول العلاقات العربيَّة-اليهوديَّة التي شهدت مدَّاً وجزراً طوال قرونٍ سبقت الإسلام، وكذلك حول الحياة الروحيَّة لعرب ما قبل الإسلام الذين ظهروا في التلمود أقرب إلى التوحيد منهم إلى الوثنيَّة، على غرار «الحنفاء» الذين يصوِّرهم التقليد الإسلامي كأقلِّيَّة بين العرب كانت متمسِّكةً ببقايا دين إبراهيم.
المصادر والمراجع
باللغتين العبريَّة والآراميَّة (نسخ مفتوحة المصدر متاحة على الإنترنت)
المِشنَه (המשנה): https://he.wikisource.org/wiki/משנה
التلمود الأورشليمي (תלמוד ירושלמי): https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_ירושלמי
التلمود البابلي (תלמוד בבלי): https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_בבלי
مدراش اللاويين ربَّه (ויקרא רבה): https://he.wikisource.org/wiki/ויקרא_רבה
مدراش نشيد الأنشاد ربَّه (שיר השירים רבה): https://he.wikisource.org/wiki/שיר_השירים_רבה
مدراش أسفار الكلام (ספרי דברים): https://he.wikisource.org/wiki/ספרי_על_דברים
إيليا رَبَّه عن الطاولة المجهَّزة (אליה רבה על שלחן ערוך): https://he.wikisource.org/wiki/שולחן_ערוך_אורח_חיים
تفسير راشي لمِشنَه البركات (רש”י על ברכות): https://he.wikisource.org/wiki/ברכות_ו_ב
تفسير الرابي عوبديه لمِشنَه السبت (ברטנורא על משנה שבת): https://he.wikisource.org/wiki/ברטנורא_על_שבת
مدراش تنحوما (מדרש תנחומא): https://he.wikisource.org/wiki/מדרש_תנחומא
باللغة الإنجليزيَّة:
Jastrow, Marcus. A Dictionary of the Targumim, the Talmud Babli and Yerushalmi, and the Midrashic Literature: With an Index of Scriptural Quotations. New York: Choreb, 1926.
Brown, F., Driver, S. R., Briggs, C. A., Gesenius, W., & Strong, J. The Enhanced Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon: With an appendix containing the Biblical Aramaic. electronic ed. Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, 2000.
Dumbrell, William J. The Tell El-Maskhuta Bowls and the ‘Kingdom’ of Qedar in the Persian Period. Bulletin of the American Schools of Oriental Research (BASOR), no. 203, 1971.
Kalmin, Richard. Sages, Stories, Authors, and Editors in Rabbinic Babylonia. Atlanta, GA, 1994.
Bakhos, Carol. Ishmael on the Border: Rabbinic Portrayals of the First Arab. Albany, NY: State University of New York Press, 2006.
باللغة العربيَّة:
الكتاب المقدَّس. دار المشرق، بيروت، 1994.
مويال، شمعون. التلمود – أصله وتسلسله وآدابه. الدار الثقافيَّة للنشر، القاهرة، 2004.
علي، جواد. المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء السادس عشر، الفصل 137 لغات العرب. دار الساقي للطباعة والنشر، بيروت، 2001.
القاسم بن ثابت السرقسطي، الدلائل في غريب الحديث، ت: محمَّد القنَّاص. مكتبة العبيكان، الرياض، 2001.
عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم أبي شيبة. المصنَّف لابن أبي شيبة، المجلَّد الحادي عشر. ت: محمَّد عوَّامة. دار القبلة – مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 2006.
الحواشي
- 1مويال، شمعون. التلمود – أصله وتسلسله وآدابه. الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 2004، ص22-23.
- 2المِشنَه (https://he.wikisource.org/wiki/משנה)
التلمود الأورشليمي (https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_ירושלמי)
التلمود البابلي (https://he.wikisource.org/wiki/תלמוד_בבלי). - 3سفر التكوين 25: 13.
- 4Dumbrell, William J. The Tell El-Maskhuta Bowls and the ‘Kingdom’ of Qedar in the Persian Period. Bulletin of the American Schools of Oriental Research, no. 203, 1971, pp. 33–44.
- 5الترجوم الآرامي لسفر أخبار الأيام الأول 1: 29.
- 6هذا الاقتباس، وغيره من الاقتباسات التي سأوردها في هذا البحث، هي من ترجمتي للنصوص التلموديَّة المدوَّنة بالعبريَّة والآراميَّة.
- 7التلمود البابلي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 56ب: 17.
- 8علي، جواد. المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء 16، الفصل 137 لغات العرب. دار الساقي للطباعة، 2001، ص223.
- 9القاسم بن ثابت السرقسطي، الدلائل في غريب الحديث، ت: محمَّد القنَّاص، مكتبة العبيكان، الرياض، 2001، ص478–479.
- 10عبد الله بن محمَّد بن إبراهيم أبي شيبة. المصنَّف لابن أبي شيبة، المجلَّد 11. ت: محمَّد عوَّامة. دار القبلة – مؤسسة علوم القرآن، دمشق، 2006، ص272.
- 11ورد لفظ عسيا=آسيا في التلمود البابلي نحو 10 مرَّات. انظر: التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه المجلَّة (מגילה) 18ب: 13؛ سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 26أ: 8.
- 12Jastrow, Marcus. A Dictionary of the Targumim, the Talmud Babli and Yerushalmi, and the Midrashic Literature: With an Index of Scriptural Quotations. New York: Choreb, 1926, pp. 542.
- 13Brown, F., Driver, S. R., Briggs, C. A., Gesenius, W., & Strong, J. The Enhanced Brown-Driver-Briggs Hebrew and English Lexicon: With an appendix containing the Biblical Aramaic. electronic ed. Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, 2000, pp. 940.
- 14Al-Jallad, Ahmad, Sidky, Hani. A Paleo-Arabic inscription on a route north of Ṭāʾif. Arabian Archaeology and Epigraphy, 33 (2022): 202–215. https://doi.org/10.1111/aae.12203
- 15الأمم (גוים جُويِم): كلمةٌ عبريَّةٌ تعني حرفياً الشعوب، مفردها (גוי جُوي)، ولها مرادفان تلموديان آخران هما: الغريب (נכרי) وعابد الكواكب (עובד כוכבים) وجميعها تشير إلى الوثنيين في الفقه التلمودي.
- 16مِشنَه الخيام (אהלות) 18: 10.
- 17التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 27أ: 8–10.
- 18المصدر السابق، 27أ: 10.
- 19التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 11ب: 10.
- 20المصدر السابق، 2أ: 1.
- 21المصدر السابق، 6أ: 6.
- 22وادي أربِل، أو وادي الحمام، هي قرية بالقرب من جبل أربِل (في العبرية הר ארבל) في الجليل شمال بحيرة طبريَّا.
- 23التلمود الأورشليمي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 2: 4: 12.
- 24سفر إشعيا 10: 34 و11: 1.
- 25مناحم: أي المُعزِّي في لغات سامية عديدة، بما فيها الأوغاريتيَّة والعبريَّة والآراميَّة، وهو اسمٌ كان بعض الحكماء قد تنبَّأ بأنه سيكون اسم الملك المسيح.
- 26التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوسط (בבא מציעא) 86أ: 11.
- 27التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 88ب: 7–8، 89أ: 1– 6.
- 28استخدم الكاتب كلمة שרגה الآرامية، وتقابلها سراج في اللغة العربية، إلا أن المترجمين غالباً ما يترجمونها إلى شمعدان.
- 29التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه التقديرات (ערכין) 6ب: 6–7.
- 30المصدر السابق، 6أ: 3؛ سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 153ب: 2
- 31التلمود البابلي، سدر الزراعة، مِشنَه البركات (ברכות) 6ب: 20.
- 32Kalmin, Richard. Sages, Stories, Authors, and Editors in Rabbinic Babylonia. Atlanta, GA, 1994, pp. 266.
- 33تفسير راشي لمِشنَه البركات (רש”י על ברכות) 6ب: 20: 1.
- 34التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 67ب: 17.
- 35انظر (على سبيل المثال): مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 10: 1؛ التلمود البابي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 2أ: 1.
- 36التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 155ب: 4؛ سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوَّل (בבא קמא) 55أ: 10.
- 37التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأخير (בבא בתרא) 36أ: 11–12.
- 38التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه البواكير (בכורות) 44أ: 18؛ سدر الأعياد، مِشنَه رأس السنة (ראש השנה) 26أ: 17.
- 39التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات – عقود الزواج (כתובות) 66ب: 11.
- 40التلمود البابي، سدر القرابين، مِشنَه المِنَح – التقدمات (מנחות) 69ب: 6.
- 41التلمود الأورشليمي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوسط (בבא מציעא) 2: 5: 3.
- 42التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأوَّل (בבא קמא) 113ب: 7.
- 43التفيلين (תפלין): صندوقان من الجلد الحلال يحتويان آيات توراتية، يربطهما اليهود حين الصلاة، أحدهما على الجبهة، والثاني على الذراع الأيسر ممَّا يلي مستوى القلب.
- 44التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه صكوك الطلاق (גיטין) 45ب: 12.
- 45التلمود البابلي، سدر القرابين، مِشنَه المِنَح – التقدمات (מנחות) 34ب-37ب.
- 46التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه الباب الأخير (בבא בתרא) 73ب: 10.
- 47المصدر السابق، 74أ: 1 و3 و5.
- 48المصدر السابق، 74أ: 6.
- 49التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه العبادة الغريبة – عبادة الأوثان (עבודה זרה) 29أ: 6.
- 50التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 82أ: 6.
- 51المصدر السابق، 110ب: 5.
- 52المصدر السابق، مِشنَه اليوم (יומא) 84أ: 6.
- 53التلمود الأورشليمي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات (כתובות) 10: 3: 2.
- 54مِشنَه السبت 6: 6.
- 55تفسير الرابي عوبديه لمِشنَه السبت (ברטנורא על משנה שבת) 6: 6: 5–6. تجدر الإشارة إلى أنَّ تفسير الرابي عوبديه بن إبراهيم معتمدٌ في معظم طبعات كتاب المِشنَه التي نُشرت منذ عام 1548م، وقد اعتمد في تفسيره للمِشنَه على تعاليم الرابي موسى بن ميمون (משה בן מימון) وآراء حكماء التلمود الأكثر قبولاً.
- 56التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 112أ: 6.
- 57التلمود البابلي، سدر الطهارات، مِشنَه الحيض (נדה) 20أ: 7.
- 58التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه رأس السنة (ראש השנה) 26ب: 6.
- 59انظر (على سبيل المثال): مدراش اللاويين ربَّه (ויקרא רבה) 1: 3: 3؛ مدراش نشيد الأنشاد ربَّه (שיר השירים רבה) 4: 1: 3.
- 60تعليق إيليا رَبَّه على كتاب الطاولة المجهَّزة (אליה רבה על שלחן ערוך אורח חיים) 101: 9.
- 61مدراش أسفار الكلام (التثنية) (ספרי דברים) 343: 4.
- 62التلمود الأورشليمي، سدر الأعياد، مِشنَه المجلَّة (מגילה) 1: 10: 6.
- 63التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه اليوم (יומא) 47أ: 11.
- 64المصدر السابق.
- 65مدراش تنحوما (מדרש תנחומא)، نسا (נשא) 7: 1.
- 66التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه صكوك الطلاق (גיטין) 81أ: 12.
- 67التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 22ب: 18.
- 68التلمود البابلي، سدر النساء، مِشنَه الكتابات – عقود الزواج (כתובות) 66ب: 11.
- 69سفر التكوين 25: 12؛ 25: 19.
- 70التلمود البابلي، سدر الأضرار، مِشنَه السنهدرين – مجلس القضاء الأعلى (סנהדרין) 91أ: 14.
- 71المصدر السابق، 91أ: 16.
- 72التلمود الأورشليمي، سدر الأعياد، مِشنَه الصوم (תענית) 4: 5: 19.
- 73التلمود البابلي، سدر الأعياد، مِشنَه السبت (שבת) 11أ: 3.

